الشمس

الشمس

الشمس .. مصدر خصب لطاقة نظيفة

عبدالله حسين - كونا

بعد أن تنادى دعاة حماية البئة والحفاظ على سلامتها إلى ضرورة وقف حد لانبعاثات الغازات، وخفض نسب التلوث الناتجة عن الوقود الأحفورى، وإيجاد مصادر طاقة بديلة أكثر نظافة، وأقل تلويثاً إتجهت أنظار الباحثين والعلماء نحو المصادر الطبيعية للطاقة محاولين دراسة جدواها، ومعرفة فوائد استغلالها والمقارنة بينها وبين المصادر التقليدية من حيث الكفاءة والمردود الاقتصادى من جهة ونظافة بيئة من جهة ثانية.

وتعمقت أبحاث هؤلاء فى ثلاثة مصادر رئيسية هى طاقة الشمس وطاقة الرياح وطاقة الأمواج، ووجدوا بعد دراسات طويلة وبحوث ميدانية وتجارب مختبرية أن طاقة الشمس هى المرشحة من بين هذه الطاقات لتكون بديلاً مناسبة لمصادر الطاقة التقليدية، لكنهم أعترفوا أن هذه الطاقة الواعدة لن تحل محل هذه الطاقات المستخدمة بشكل واسع.. فى المستقبل القريب على أقل تقدير وذلك بسبب الصعوبات والعقبات العديدة التى تقف أمام استخدام طاقة الشمس بالصورة المثلى.

مشكلتان أساسيتان

تقدر كمية الإشعاع الشمسى الكلية الواصلة إلى سطح الأرض بنحو 3.9 ليون إكزاجول Enagoule فى العام (الإكزاجول يساوى بليون جول من الطاقة التى تعادل تعادل تقريباً كمية الحرارة المتولدة من احتراق 22 مليون طن من النفط) ولما كان الاستهلاك السنوى العالمى من الطاقة يساوى 350 إكزاجول، فمن الممكن للأشعة الشمسية الساقطة على مساحة لا تتجاوز 0.1 فى المئة من سطح الأرض أن تزودنا بهذه الكمية التى يمكن جمعها بمردود لا زيد على عشرة فى المئة.

وعلى الرغم من الخطأ الفادح فى تبسيط هذه الحجة فإن تحليلاً أدق يؤكد النقطة الأساسية وهى أنه يمكن للطاقة الشمسية أن توفر بسهولة نحو 450 إكزاجول سنوياً حتى لو تم استغلالها فى جزء صغير من المناطق الصحراوية التى تتلقى معظم أشعة الشمس.

وتستدعى هذه النقطة من المرء مواجهة مشكلتين تقلق اول بعدم وضع المناطق المثلى لاستغلال أشعة الشمس قريباً من المراكز السكانية والصناعية حيث يتعاظم الطلب على الطاقة، والمشكلة الأخرى تتمثل فى أن الطاقة الشمسية متقطعة وليست مستمرة على مدى أيام السنة وتفسر هاتان المشكلتان الحاجة الماسة إلى تطوير عمليات استغلال الطاقة الشمسية على نطاق واسع وإمكان تحويلها إلى أشكال ملائمة للتخزين طويل اجل والنقل طويل المدى. ولا توجد حتى الأن وسائل مرضية اقتصادياً وتقنيا لبلوغ هذه الأهداف. ويدعو ذلك إلى حد ما إلى ضالة الموارد المخصصة للبحث فى هذا الميدان، فوكالة الطاقة الدولية مثلاً توزع أكثر من 60 فى المئة من مجموع ميزانية بحوثها على مشروعات تستخدم الطاقة النووية إلا أنها تخصص أقل م أربعة فى المئة لبحوث الطاقة الشمسية.

خصائص الشمس

إن دراسة بنية وطبيعة الشمس تساعد على تحديد طبيعة الطاقة التى تشعها إلى الفضاء فالشمس عبارة عن كرة غازية ملتهبة (تفاعل نووى حرارى) تتكون من 80 فى المئة هيدروجين، و 19 فى المئة هيليوم وواحد فى المئة عناصر أخرى.

ويبلغ قطر الشمس ( 1.9 × 610) كيلو متر، وتبعد عن سطح الأرض مسافة قدرها 1.5 × 810) كيلو متر كما تراوح كثافتها ما بين 80 و100 ضعف كثافة الماء وعلى هذا الأساس يتدفق من الشمس كل يوم كميات هائلة من الطاقة تقدر قيمتها بنحو ( 3.8 × 2310) كيلووات، وإذا أخذنا بعين الاعتبار المسافة بين الشمس والأرض فإن كمية الطاقة الشمسية التى تصل إلى بداية الغلاف الجوى تعادل (1.7 × 1410) كيلووات.

وتستقبل الأرض الطاقة الشمسية بشكل أمواج كهرومغناطيسية تحتوى على أشعة فوق بنفسيجية وأشعة مرئية فوق الحمراء وغيرها.

تعتمد كمية الطاقة الشمسية الساقطة فى مكان ما على عوامل كثيرة منها الموقع الجغرافى وتحديد الوقت خلال النهار وفواصل السنة ودرجات شفافية أو نقاوة الحالة الطبيعية للهواء وكذلك تعيين التغير فى درجات الحرارة والرطوبة إضافة إلى سرعة الرياح وتعد هذه العوامل من العوامل الأساسية والمؤثرة فى الطاقة الشمسية.

كهرباء وحرارة

يمكن تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية وطاقة حرارية من خلال اليتى التحويل الكهروضوئى والتحويل الحرارى للطاقة الشمسية ويقصد بالتحويل الكهروضوئى تحويل الإشعاع الشمسى أو الضوئى مباشرة إلى طاقة كهربائية بواسطة الخلايا الشمسية ومع أن الكهرباء تشكل وسيلة أساسية لتوزيع الطاقة، تقدر فى الواقع بثلث الطاقة الأولية فى العالم إلا أنها ليست حلا لكل نحو ملائم وينجم عن نقلها عبر مسافات طويلة مجموعة أخرى من المشكلات.

وقد تم تصنيع نماذج كثيرة من الخلايا الشمسية تستطيع إنتاج الكهرباء بصورة عملية، وتتميز الخلايا الشمسية بأنها لا تشمل أجزاء أو قطعا متحركة وهى لا تستهلك وقودا ولا تلوث الجو وذات عمر طويل ولا تتطلب إلا القليل من الصيانة.

ويمكن تثبيت هذه الخلايا على أسطح المبانى أو فى المسطحات الواسعة ليستفاد منها فى إنتاج الكهرباء،وتقدر كفاءتها عادة بنحو 20 فى المئة، أما الباقى فيمكن الاستفادة منه فى توفير الحرارة للتدفئة وتسخين المياه، كما تستخدم الخلايا الشمسية فى تشغيل نظم الاتصالات المختلفة وفى إنارة الطرق والمنشآت وضخ المياه وغير ذلك.

أما التحويل الحرارى للطاقة الشمسية فيعتمد على تحويل الإشعاع الشمسى إلى طاقة حرارية عن طريق المجمعات (الأطباق) الشمسية والمواد الحرارية.

فإذا تعرض جسم داكن اللون ومعزول إلى الإشعاع الشمسى فإنه يمتص الإشعاع وترتفع درجة حرارته، ويستفاد من هذه الحرارة فى التدفئة والتبريد وتسخين المياه وتوليد البخار، كما تستخدم فى تحليل المياه المالحة وتجفيف الزراعية، وتعد تطبيقات السخانات الشمسية هى الأكثر انتشاراً فى مجال التحويل الحرارى للطاقة الشمسية.

كفاءات واعدة

لقد تحسن كفاءات الخلية الشمسية فى المختبرات من 16 إلى 18 فى المئة فى منتصف السبعينات إلى الكفاءة التى تبلغ حالياً 28.5 فى المئة فى خلية سليكونية بلورية بتماسات نقطية و 35 فى المئة من أجل خلية ذات وصلة مرتاصة من زرينخيد الغاليوم وإثمد الغاليوم (وهى خلية ذات طبقتين تقوم بامتصاص أجزاء مختلفة من الطيف الشمسى).

وثمة نوع واعد من الخلايا الشمسية التى يجرى تطويرها حالياً يعتمد على الرقاقات من المواد شبه الموصلة. وعلى لارغم من أن لتلك الخلايا كفاءات منخفضة.

(تبلغا أعلى كفاءة تم الحصول عليها فى المختبرات حتى الآن أقل من 16 فى المئة) فإن تكلفتها يمكن أن تكون منخفضة جداً وربما وصلت إلى عُشر السعر الحالى لوحدة فلطية ضوئية.

يمكن بسهولة خفض تكاليف الرقرقات كما يمكن بسهولة تطبيق أساليب الإنتاج بالجملة عليها، وهى لا تتطلب سوى كميات ضئيلة من المادة الفعالة ، وتتراوح تخانة الرقاقات ما بين ميكرون واحد وميكرونين فقط وهذا يعادل واحد من خمسين جزءاً من تخانة شعرة الإنسان.

ولا يزال هناك عدد من التحسينات الإضافية اللازمة لتحسين الخلايا الشمسية قبل أن تصبح منافسة اقتصاديا فى سوق القدرات الكبيرة، وما زال على تقانات الرقاقات أن تحقق مستويات مرضية من الكفاءة والوثوقية فى المنتجات التجارية وحاليا هناك مختبرات وشركات كبرى تجرى بحوثاً شاملة على جميع إمكانات تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية أو حرارية واستغلالها بشكل أمثل بحيث تحقق وفراً اقتصادياً مغرياً وكفاءة عالية فى الوقت نفسه، ولا ريب فى أن ضغوط المنظمات البيئية ودعوة المؤتمرات الدولية إلى الحد من التلوث والحفاظ على البيئة أسهم بصورة كبيرة فى التوجه الحالى نحو دراسات أكثر عمقاً وشمولية للطاقة الشمسية.

دورس من أفريقيا

تعتبر أفريقيا القارة الأكثر فقرا فى العالم والأقل نموا فى جميع نواحى الحياة، وتنصب جهود المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية والهيئات الخيرية نحو العمل للنهوض بهذه القارة، وانتشالها من مشكلاتها والأخذ بيدها إلى استغلال مواردها بصورة جيدة والاستفادة من إمكاناتها الثرية.

ومن أنهم الخيرات التى تنعم بها هذه القارة السوداء وفرة الطاقة الشمسية فى جميع بلدانها، ولذلك اتجهت الدراسات نحو تحقيق استفادة قصوى من هذه الثروة التى لا تنضب واستغلالها فى ترشيد الموارد وتحقيق تنمية مستدامة وتوفير فى نفقات مختلفة يضطر السكان لدفعها من أجل الغذاء والتدفئة والتهوية وغيرها.

ومن أهم الدروس المستفادة فى تسخير الطاقة الشمسية لخدمة التنمية فى القارة الأفريقية مواقد الطهى التى انتشرت فى عدة من الدول الأفريقية وحلت محل المواقد التقليدية التى كانت تستخدم أنواعاً مختلفة من الوقود.

فلقد أمكن استخدام الفرن الشمسى Solar Oven لطهى الطعام وهو عبارة عن صندوق معزول مصنوع من الخشب ان من المعدن أو من اللدائن أو الكرتون وتغطى فتحته العليا بلوح أو اثنين من الزجاج.

إن تصاميم الفرن الشمسى متباينة شأنها شأن مواقد الطهى لكن الطباخ النصدوقى Box Cooken كما يُعرف يتكون عادة من جدران مغطاة بمواد عاكسة مثل صفائح أو رقائق الألمنيوم ومن أرضية معدنية لامتصاص ضوء الشمس، ومن ثم يعاد إشعاع الطاقة داخل الصندوق على شكل حرارة تحت الحمراء لا تتسرب لأن الزجاج يمنع ذلك ويمكن لأوان موضوعة على اللوح المعدنى السفلى أن تسخن عدة لترات من المياه أو الأطعمة إلى أكثر من 300 درجة مئوية فى أقل من ساعة.

وتستخدم هذه الأفران فى معظم الأحيان لطهى الطعام باستخدام الأوانى الفخارية وهى تتيح ببطء الطهى والخبز والشوى فى أوان مغطاة ومن ثم مميزاتها أنها لا تنفث دخانا مضرا بالصحة وقد استطاعت بعض الأسر التى تستخدم هذه الأفران توفير خمسين فى المئة من نفقات وقود الطهى.

الهيدروجين مثالاً

يعد الهيدروجين المنتج بواسطة الطاقة الشمسية مثالاً على الوقود النظيف الذي يمكن استخدامه للوقود والتدفئة، وكذلك لإنتاج الكهرباء والحرارة كمنتج جانبي في خلايا وقود عالية الكفاءة.

والإغراء الأساسي للهيدروجين الناتج من الطاقة الشمسية مقارنة بالوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم)، هو أنه غير مضر بالبيئة. فالهيدروجين يتحول إلى ماء عندما يحرق ولا ينتج عند حرقه أحادي أكسيد الكربون أو ثنائي أكسيد الكربون أو ثنائي أكسيد الكربون أو ثنائي أكسيد الكربون أو هيدروكربونات أو أي جسيمات أخرى، والملوثات الوحيدة الناتجة هي أكاسيد النتروجين، وهذه يمكن خفضها إلى مستويات منخفضة جداً. إن تقانات الطاقة الشمسية تتقدم بسرعة، كما أن آفاق الحصول على مكاسب اقتصادية تبشر بالنجاح، وستظل الطاقة الشمسية أكثر الطاقات المستخدمة حتى الآن نظافة، إضافة إلى أنها مصدر غنى لا ينضب، لاسيما بالنسبة للدول الأفريقية والعربية، والتي يجب أن تولي اهتماماً خاصاً بالدراسات المتعلقة بها.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 4