جزيرة أم النمل

المحيط المائي ينحسر عن جزيرة أم النمل

فاطمة المذكوري

 

للوهلة الأولى اعتقدت بأننا سنصل إلى الجزيرة بقارب يحملنا ونحن مستمتعون بأمواج البحر وهى تداعب القارب وتنثر رذاذ مياه البحر على وجوهنا التى تشتاق فى كل لحظة للإحساس بالبرودة نظرا لدرجات الحرارة العالية التى تلهب الأجساد والمشاعر لكن سرعان ما أدركت بأنى قد أخطأت تقديرى للأمور عندما وقفت على الشاطئ المقابل للجزيرة وبقربي مقبرة العوازم التاريخية حيث شاهدت الكوكب المائي ينحسر عن الجزيرة ويبتعد عنها ليشق لناطرقا ولنسير معا مشيا على الأقدام ونطأ أجيالاً تراكمت وتكومت من الأصداف والقواقع الجميلة التي غطت قاع الكوكب المائى المنحسر فى تلك الساعات القليلة التى لا تزيد عن ساعتين تعود بها أم النمل لتحمل اسم جزيرة تحيط بها المياه من كل جانب.

خلال سيرنا فى منطقة المد والجزر الغنية بالكائنات القاعية كسر طائات البحر والحار والديدان لم يكن يزعجنا سوى منظر بعض الآليات التى سقطت متقهقرة فى منتصف الطريق ونمت عليها أصداف البارنكل النو وذوات المصراعين بلوحاتها الصلبة القاسية فى فترة قد تزيد عن أحد عشر عاما وبكل حذر وشوق لرؤية الجزيرة القريبة من قلب المدينة كنا نسير وأطفأنا شوقنا أخيرا على شواطئها التى اكتست بالطحالب الخضراء التى رمتها أمواج البحر وهربت تاركة إياها للشمس الحارقة لتجف وتذبل بهدوء.

قائدنا فى الرحلة الدكتور على محمد خريبط إنسان محب للبيئة.. حشد لا حشود وجمعنا مواطنين ومقيمين أطفالاً وكباراً.. كانأبا للجميع لا بل أبا روحيا للجزيرة يرعاها منذ سنين ويجاهد فى سبيل حماية ما تبقى من مكوناتها الطبيعية وآثارها التاريخية بمنتهى الأسى حدثنى قائلاً استطعنا هذه السنة فقط الحصول على الدعم المالى لحماية تاريخنا من الاندثار وتسوير خمسة مناطق أثرية فيها ولا تزال هناك مناطق أخرى تحتاج إلى التسوير.

بلهفة قادني فضولي لاستكشف تلك الآثار بعد أن تم تويرها وتلك التى لم تحظ بعد بيد حانية تراف بها من عبث البشر وقوانين الطبيعة من سقوط لقطرات المطر وهبوب لرياح الدهر.

فوجدت وزملائي بقايا حجارة وصخور وقد تكون لمنازل قديمة هذا ما أملاه على خيالى. أما د. خريبط فقد أكد بعض ما شاهدته فى الخيال فقال "التاريخ فى الجزيرة موزع على مناطق شاسعة بعضها يعود للعصر الهلينستي والإسلامي وللعصر الحديث، وقد تكون منازل لصيادين شيدوها منذ زمن بعيد قد يمتد لآلاف السنين".

انتهكت قوانين الطبيعة فى أمالنمل، فالأسماك النافقة على طول الساحل استقلت بألوانها الشاحبة بجانب الأصداف والقواقع من مختلف الشكال والألوان تشكو المدينة والحضارة ويد انسان.. أخذت أبحث عن السبب هل هو تلك المحطات الشامخة قبالة الجزيرة؟ أم تلك السفن العملاقة؟ أم هى تلك الحظرات .. هى التى خنقت لدينا لك العبرات ولم نعد نعرف ماذا نقول.؟ وماذا نفعل؟ وكان على تلك الأسماك دفع ضريبة التنمية والتطور فى بلادى؟

فى تلك اللحظات سأل عبد الوهاب الشمالى وهو طالب فى المرحلة المتوسطة خالته من قتلها من رمى الشباك من ومن؟ ولم يهدأ وأفاق عبد الوهاب على حقيقة موجعة عندما رأى الكم الهائل من النفايات والتى عليه أن يحملها، فجمع بيديه الصغيرتين علب المياه المعدنية والغازية وأكياس ابلاستيك ووضعها فى أكياس القمامة وهو يتساءل لماذا وإلى متى سنستمر فى تشويه كل ما هو مفترض له أن يظل جميلاً؟ الكل يعمل بصمت وفخر ولكن الذهول كان سيطر علينا .. الجزيرة كبيرة ولكن كم النفايات أكبر حتى أن أكياس القمامة التى بحوزتنا جميعها امتلأت والنفايات لم تنته!!

ربيكا همشوت أمريكية عاشت لسنوات طويلة فى جزيرة هاواى تراقب السلاحف البحرية وتعد أبحاثاً عنها لم يخف على عشقها للسلاحف، فأرادت أن تستطلع هل تزور كائناتها المفضلة الجزيرة، فجمعت أغطية علب المياه المعدنية فى كيس امتلأ عن آخره فسلتها: هل من الممكن أن نرصد سلحفاة هنا؟ أجابت أشك فى ذلك .. أنظرى وأشارت بيدها إلى الكم المربع من الأغطية البلاستيكية التى جمعتها وهى تقول: مع السف السلاحف تتغذى عليها.

ابتسمت واجبتها : ها قد بدأنا فى إحياء مواطنها وقد نجدها النسة المقبلة قادمة لتحيينا على ما قمنا به من أجلها.

ضحكت ربيكا وقالت "ربم" إذا هناك أمل.. نعم د. خريبط يقول لى "البلدية أزالت شاليها لمنتهكى حرمات الطبيعة على أرض الجزيرة " الأمل الذى لا يزال يتمسك به حتى يومنا هذا هو تحويل أم النمل إلى محمية طبيعية وأن نترفق بحالها وببقية الجزر قبل أن تغوص فى قاع من النفايات.

أينما كنتم نود لو تسيروا معنا فى السنة القادمة نحو الجزيرة لنستلقى على شواطئها وننعم برؤية السلاحف تلهو على رمالها الذهبية من دون خوف أو رجل فهل تأتون؟

نسيت أن أخبركم.. حملت قاربا صغيراً أنا وبعض من زملائى بعد أن عادت أم النمل جزيرة يحيط بها الكوكب المائى . فاستمتعنا برذاذ المياه الباردة بعد أن ألهيتنا شمس الكويت الذهبية فمن يريد العودة معنا؟

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 34