الفهد العربي

الفهد العربي

حملة من أجل حماية الفهد العربي

سليمان داود الشراد

تدل كتب التاريخ على أن شبه الجزيرة العربية كانت تنعم فيما مضى من الزمان، بأعداد متنوعة ومتعددة من الحيوانات، مثل الأسود والنعام والفهود وغيرها، وقد انقرض معظمها لسبب أو لآخر، وتسعى العديد من الدول الخليجية حاليا لإعادة توطين وإكثار بعض هذه السلالات، وتطبيق الأساليب العلمية الحديثة في ذلك.

يعتبر الفهد العربية Arabian Leopard واحداً من تلك الحيوانات التي تعيش في المناطق الجبلية في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية وبالرغم من انتشاره في السابق إلا أن وجود أكبر عدد من هذه الفهود يقتصر حالياً على مناطق ضيقة محدودة من الجزيرة. وقبل أكثر من 20 عاماً كانت البيئات الطبيعية في الجزيرة العربية تنعم بتناغم كبير، وتحديداً قبل ثورة أسعار النفط في السبعينات وتغير أنماط التنمية في معظم دول الخليج العربي، والتي تمثل جزءاً من شبه الجزيرة العربية الموطن الأصلي للفهد العربي، الذي ينتشر جغرافياً في المناطق الجبلية غرب وجنوب غرب المملكة العربية السعودية على امتداد جبال الحجاز والسروات وحتى غرب ووسط وجنوب اليمن، ويمتد التوزيغ الجغرافي جنوب الجزيرة العربية في جبال الحجر الشمالية ومحافظة ظفار في سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة من ناحية الشرق، وينتمي الفهد العربي لعائلة القطيات وهو أكثر أنواع القطط المتبقية في الجزيرة العربية وينتمي للعائلة نفسها القط البري، والقط الرملي والوشق، والفهد وجميعها حيوانات مهددة بالإنقراض، والأخير يعتبر في عداد المنقرض.

تعتبر الفهود من أكثر أنواع الحيوانات قدرة على التكيف في العالم، إذ يمكن العثور على أنواع منها تعيش في البرية، في عدد من أكثر بيئات العالم قسوة، بدءاً من أحراش جنوب شرق آسيا على جبال الهملايا، ومن الجبال القاحلة في الجزيرة العربية إلى غابات أفريقيا . وتنعكس هذه القدرة على التكيف مع العادات الغذائية للفهود إذ يمكنها العيش على أي شيء تصطاده.

وفي الجزيرة العربية يتكون غذاءها بشكل أساسي من القوارض والغزلان والطيور والأغنام المستأنسة . ويعتبر الفهد العربي، الذي يقل حجمه عن نظيره الأفريقي من أكثر الحيوانات التي تتجنب البشر، وعادة لا يشاهد الفهد في بيئته الطبيعية فقط إلا مزارعي الجبال الذين يحاولون حماية ماشيتهم منه، وبالرغم من أنه ليس معروفاً بالضبط كم عدد الفهود العربية الموجودة في البرية في العالم إلا أن عددها يقدر بأكثر قليلاً من 100 فهد في كل شبه الجزيرة العربية وهذا يعني أن الفهد العربي الأكثر تهديداً بسبب إغارته على المواشي واستهداف الرعاة والقرويين له إما بالقتل المباشر بالأسلحة النارية أو بالطعوم المسممة أو بالمصائد، وقد تم رصد حالات قتل عديدة في مناطق توزيعه الجغرافي، ففي الإمارات العربية المتحدة قتلت أربعة فهود قرب رأس الخيمة وجرح آخر، في حين سجل في المملكة العربية السعودية تسميم فهد في منطقة الفقرة 80 كم غرب المدينة المنورة في 1992.

أما في اليمن فتشير بعض الدراسات إلى قتل 100 فهد خلال العشرين سنة الماضية بالأساليب التقليدية في منطقة الوديعة حوالي 120 كم شمال صنعاء وبعض تسجيلات القتل في عمان خلال العقد المنصرم، والقتل يكون يكون نتيجة إغارته على المواشي، أو الاستطباب بشحمه وجلده لأمراض الرماتيزم والأمراض الجلدية، ويقول الأهالي في تلك المنطقة من اليمن أن فهداً قتل 45 رأسا من الأغنام في هجوم واحد، وأنهم يفقدون شهرياً 3 - 4 أغنام تفترسها الفهود وتلك المشاكل الكثيرة الناجمة عن إغارة الفهود العربية على حيوانات الرعي بسبب انخفاض حاد في فرائسه الطبيعية والمتمثلة في الظلفيات الجبلية مثل الماعز البري والضأن البري والطهر العربي والوعل النوبي، وكذلك الثدييات البرية كالقرود والوبر والأرانب البرية والغزلان الجبلية وربما الطيور والزواحف البرية، ونظراً لانحسار معظم تلك الفرائس الطبيعية لاستهداف الإنسان لها بالصيد، فإن المواشي كانت البديل الوحيد المتوفر أمام المتبقي من الفهود العربية ولأن البيئات الجبلية في الجزيرة العربية شبه جافة في معظم حالاتها مما يؤدي إلى انخفاض أعداد الفرائس فإنه من المتوقع أن تكون حدود الفهود البرية شاسعة، وتقدر بعدة مئات من الكيلو مترات، مما يحتمل معه أن تقل فرص الالتقاء للزواج، وقد وضع الفهد العربي ضمن القائمة الحمراء عام 1994، للمنظمة الدولية لصون الطبيعة وبهدف حماية الفهد العربي من الانقراض، تأسست الكثير من المنظمات في المنطقة الخليجية.

وقد تأسست مجموعة حماية الفهود العربية LGA في سنة 1996 لتقوم بتوحيد دول المنطقة في محاولات لحماية هذا النوع من الانقراض، إذ يهتم صندوق الفهد العربي أيضاً بالترويح للوعي الشعبي حول الحياة البرية في المنطقة، ولرعاية الأبحاث التي تجري حول عادات الفهد العربي تحديداً وتم أيضاً البدء في العديد من برامج تربية هذا الحيوان في الأسر عبر المنطقة ولعل واحداً من هذه البرامج الواعدة هو مركز السلطان قابوس لرعاية الفهد العربي في سلطنة عمان، وفي دولة الإمارات يوجد مركز لتربية الحيوانات البرية العربية المهددة بالانقراض الذي قام بإنشائه سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة. وعادة ما ترسل الفهود الصغيرة التي تولد خلال هذه البرامج إلى مراكز في أنحاء أخرى من الإقليم، والغرض من ذلك أن ولادتها الناجحة في أثناء الأسر يمكن تكرارها عبر شبه الجزيرة العربية.

ولا شك أن الجهود قد تضافرت لحماية الفهد في مناطقه الطبيعية وتكثيره في الأسر بعيداً عن شبح الانقراض، ولعل ذلك ما تم بنجاح للحصول على عدة أفراد وتكثيرها في مركز السيب للتكثير في الأسر خلال السنوات المنصرمة، في حين تأسست هيئة الفهد العربي ALT في الإمارات العربية المتحدة في 1993 وتمكنت من الحصول على اثنين من الفهود، أحدهما في جبال الإمارات في1991، والآخر من منطقة الوديعة في اليمن في 1995 وهي بطور الحصول على أنثى من مركز التكثير العماني والعقبة الأساسية لتكثيرها مما يخشى معه أن يحصل تداخل جيني وهذه المخاوف تنطبق أيضاً على المجموعات البرية التي انحسرت أعدادها في مناطق معزولة.

وقد عقدت هيئة الفهد العربية ندوة خاصة بالفهد العربي في الشارقة في الإمارات العربية المتحدة في أكتوبر 1995 ، حضرها ممثلون عن المملكة العربية السعودية وعمان واليمن والإمارات، إضافة لممثلين من المنظمة الدولية لصون الطبيعة I.U.C.N وذلك لتنسيق العمل وتوجيه الجهود وتكثيفها لحماية وتكثير الفهد العربي، وقد تم الاتفاق على عمل قاعدة معلومات يتم من خلالها حصر كافة المعلومات المتعلقة بالفهد العربي، وإجراء مسوحات مبدئية كثيفة على المناطق المحتمل تواجده فيها، وحث الدول المشاركة على تأسيس مناطق محمية في المواقع التي يثبت تواجد الفهود فيها . وتنصب كل المبادرات المشاركة في الحملة الإقليمية لحماية الفهد العربي على مزايا وفوائد تنوير الرأي العام وذلك بهدف تعريف وتقديم هذه المخلوقات وبيئتها التي تعيش فيها بصورة واسعة، ما لم يحدث ذلك فإنها من المتوقع أن تتأثر سلباً بتصرفات البشر.

والخطوة الأساسية التي يجب علينا اتخاذها لحماية هذا الحيوان والحيوانات البرية الأخرى تبدو واضحة تماماً، وذلك بالرغم من أن تلك الخطوة لا تراعى تماماً إذ يجب علينا احترام البيئة الطبيعية وذلك يعني أن نتذكر عدم ترك فضلات، يمكن أن تكون خطيرة وضارة على الحيوانات الجائعة، ولابد من التأكيد على أهمية القيادة بانتباه على الطرق المعبدة أو التي سار عليها الآخرون من قبل، لأن الخروج عنها يمكن أن يزعج الحيوانات في بيئتها المعتادة.

وهناك وسيلة أخرى لدعم قضية الفهد العربي تكمن في الانضمام على واحدة من تلك المنظمات، التي التزمت بحماية الحيوانات المهددة بالانقراض فالمنظمات مثل صندوق الفهد العربي تساهم في جعل الأعضاء مطلعين أولاً بأول على التقدم الذي يحدث في جهود الحماية عبر إصدار نشرات دورية منتظمة وعقد الاجتماعات الشهرية التي تساهم في التعريف في كيفية المشاركة بفاعلية أكبر في أنشطة الصندوق.

ومن الجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية وعمان لديهما مناطق محمية جبلية من المحتمل وجود الفهد العربي فيها، ويبقى أن نشير إلى أن دراسة علمية أخيرة أجريت على جينات الفهود في العالم، اقترحت دمج الفهد العربي وهو تحت نوع خاص بالجزيرة العربية ضمن نوع واحد من الأنواع الأخرى القريبة منه كالفهد الإيراني والتركي وإلغاء الفوارق تحت النوعية، فهل سيستخدم الباحثون اصطلاح " الفهد العربي" بعد ذلك إذا ما أخذوا اقتراحات هذه الدراسة بعين الاعتبار، علماً أن العنصر الأهم في حماية الأنواع من الانقراض يتركز على حماية المجموعات البرية كمصدر للتنوع الجيني وليس النوع كصفة مستقلة.

ولا شك أن عدداً من الدول الخليجية قد قطعت شوطاً لا بأس به، في مجال حماية وإكثار الفهد العربي، ومن المؤكد أن ذلك العمل الجبار يتطلب الكثير والكثير من الجهود حتى يمكن تحقيقه وإنجازه بالكامل، وحتى يرجع الفهد العربي حراً يعدو في اصقاع الجزيرة العربية هنا وهناك.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 64