المردود البيئي للمشاريع الصناعية

المردود البيئي للمشاريع الصناعية

المردود البيئي للمشاريع الصناعية

م. خلود يوسف المرزوق

تعتبر الصناعة والتصنيع من الأنشطة الرئيسية والضرورية التي تدعمها حكومات الدول ضمن استراتيجيات التنمية التي تعتمدها كما أنهما تساهمان في زيادة الرفاهية للبشر. وتنطوي العمليات الصناعية في الأساس على تحويل المواد الخام والموارد إلى منتجات مصنعة أو شبه مصنعة، وحيث أن عملية التحويل لا يمكن مطلقاً أن تستنفد كل المدخلات الأساسية ( المواد الأولية ) بصورة كاملة، فإنها تخلف بالتالي نواتج ثانوية إما على شكل طاقة أو مادة، وإذا لم تتم الاستفادة من هذه المواد الثانوية فإنها تتحول إلى نفايات قد تلوث المحيط الحيوي والبيئة، وتتوقف درجة تأثير تلك النفايات في البيئة على خصائصها وكميتها ونوعها وعلى نوعية البيئة المستقبلة لها  كما أن لتلك النفايات آثار اجتماعية يصعب تقديرها بوجه عام  ولما كانت المناطق التي تختار لتوطين مواقع الصناعات تأثير هام على العوامل البيئية الناتجة فمن الأسلم مراعاة الدقة في تخطيط هذه المرافق بما يتساير مع التنمية الصناعية.  

كما أن تقييم أثر الصناعات على المحيط الحيوي والبيئة واختيار مواقع لتلك الأنشطة يعتبر أحد المفاهيم الرئيسية لدراسات المردود البيئي في مراحل تطوير المشاريع الصناعية بدءاً من مرحلة التخطيط وإعداد دراسات الجدوى ثم مرحلة التصميم والإنشاء وانتهاءاً بمرحلة التشغيل كالتالي :

مرحلة التخطيط الاستراتيجي

* يلعب التخطيط الاستراتيجي دوراً رئيسياً في التنمية الصناعية مراعياً بذلك العوامل البيئية، ويقوم بذلك الدور سلطة تنظيمية في الدولة هيئة أو إدارة مختصة وتمثلها في دولة الكويت الهيئة العامة للصناعة والهيئة العامة للبيئة حيث يؤخذ في الاعتبار العوامل البيئية جنباً إلى جنب مع العوامل الفنية والاقتصادية للمشاريع ووضع خطوط عامة لأهداف السياسات الحكومية بشأن تحديد المواقع الصناعية في إطار خطط محددة لاستعمالات الأراضي في الدولة حسب المخطط الهيكلي والذي يعتبر من اختصاصات البلدية في دولة الكويت، وعند تخصيص المواقع المناسبة لإقامة المناطق الصناعية يتم وضع خطط أخرى مكملة تهتم بتحديد الأنشطة الصناعية الملائمة بالنمو الاقتصادي في البلاد من حيث وفرة المواد الأولية والطاقات البشرية وتصنيف الصناعات سواء كانت خفيفة أو ثقيلة وتحديد معايير الجودة المطلوبة.

مرحلة دراسات الجدوى

* وهي المرحلة التي يتم فيها وضع تفاصيل لمشاريع محددة وتقييمها اقتصادياً وفنياً على السواء، والتي يجب أن يتم تقييمها بيئياً أيضاً، وسيلي ذكرها لاحقاً وجرى العرف أن يتم تقييم المشاريع الصناعية حسب العائد الاقتصادي وحسب الأهمية الاستراتيجية ويتم اجراء تحليل مالي من وجهة نظر مالك المشروع أو الجهة المخولة وتقدير قيمة الموارد التي يستخدمها المشروع سواء موارد أولية أو بشرية والماكينات والمعدات المستخدمة وكذلك تقدير المنتجات وأسعار السوق وإجراء تحليل للفوائد الاقتصادية بمعيار نقدي.

مرحلة تحديد موقع المشروع

* يتم اختيار المشروع في ضوء عدد من العوامل ويتم الأخذ في الاعتبار موقع المشروع في مرحلة دراسة الجدوى، وقد يكون هناك مفاضلة بين أكثر من موقع تبعاً لنوعية النشاط الصناعي وأهمية تواجده بالقرب من الموارد الأولية واضعين في الاعتبار تكاليف نقل تلك المواد وكذلك مراعاة موقع أسواق السلع وتوافر الأيدي العاملة والمرافق ( كهرباء وماء ) وقد يتم اختيار موقع المصنع في إحدى المناطق التي سبق تخصيصها لإقامة المنشآت الصناعية، وفي هذه الحالة يكون الموقع ملائم بيئياً أما إذا تم اختيار موقع المصنع منفرداً بعيداً عن أي مناطق مخصصة سابقاً ومدروسة من قبل الجهات المعنية في الدولة فيجب في هذه الحالة إعداد دراسات بيئية لمدى ملائمة الموقع ومراعاة مدى حساسية المنطقة والمجاورات والوضع البيئي الراهن ونوعية النشاط الصناعي والملوثات المحتملة من مزاولة ذلك النشاط وتحديد مدى خطورتها واحتمالية انتشارها وتأثيرها في المناطق السكنية سواء كانت ملوثات غازية أو سائلة أو صلبة أو ضوضاء كما يجب مراعاة اتجاه الرياح السائدة في البلاد.

كما يجب مراعاة النواحي الاجتماعية من خلال أخذ موافقة سكان المنطقة المجاورة لموقع المشروع مثل مشاريع المسالخ أو محطات ضخ مياه التنقية أو ابراج الاتصال لما لها من تأثير على نفسية القاطنين بالقرب من تلك المنشآت.

مرحلة إعداد الدراسات البيئية

* الهدف من إعداد الدراسات البيئية للمشاريع الصناعية هو التنبؤ بالملوثات المحتملة من إقامة تلك المشاريع لوضع الحلول المناسبة للحد من انتشارها وتتضمن تلك الدراسات عمل بدائل مختلفة للمشاريع لاختيار أفضلها بيئياً وتتطلب عملية إجراء تقدير للآثار البيئية استخدام مهارات خبراء من شتى أفرع العلوم العلمية والتقنية، إذ أن اتساع موضوع الدراسة كبير بالصورة التي لا يستطيع بها عدد قليل من الأفراد تغطية كل نطاق الخبرات المطلوبة ويتم الاستعانة بتلك الخبرات حسب نوعية المشروع أما العبء الأكبر من عمل المشروع فيتولاه فريق صغير من الموظفين المؤهلين ذوي الخبرة من التخصصات العلمية المختلفة.

وفي دولة الكويت يقوم قسما المشاريع الصناعية والتنموية في إدارة التخطيط والمردود البيئي التابعة للهيئة العامة للبيئة تولي مهمة تقييم دراسات المردود البيئي المعدّة من قبل مكاتب استشارية متخصصة في الاستشارات البيئية ويساند ذلك القسم عدد من الاستشاريين في المجالات المختلفة مثل مجالات شؤون البيئة البحرية وبيئة الهواء الجوي وبيئة التربة وفي مجال التحكم بالمخلفات ومجال علوم الحياة الفطرية وغيرها. وينتج من عملية تقييم المشاريع الصناعية قرار نهائي بشأن قبول أو رفض أو تعديل المشروع بناءً على معايير محددة يتم استخدامها تمثل الصفات أو الخصائص المتميزة للبيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية والاقتصادية، نظراً لأن عوامل قياس التأثيرات البيئية المستخدمة في الدراسات ليست معروفة لدى صناع القرار والرأي العام فلابد من وصف تلك الآثار بطريقة تربط التدابير التقنية بالجوانب الأخرى ذات الأهمية مثل : 

-  الصحة العامة.

-  العمالة. 

-  الآثار الاقتصادية.

-  الآثار الثقافية.

-  المخاطر الايكولوجية.

- المخاطر الجمالية.

على سبيل المثال في حالة وجود مواد سامة بتراكيز عالية في مخلفات أحد المشاريع الصناعية والتي تعتبر مؤشراً تحليلياً يجب ترجمته إلى معايير صحية أو اجتماعية كما تم الإشارة إليها أعلاه وذلك بذكر الأمراض التي سيتعرض لها الأهالي أو العاملين ومدى خطورتها أو ذكر آثار تلك المواد السامة على الثروة السمكية في حالة القاؤها في البحر واحتمالية تأثر المخزون السمكي أو احتمالية تصاعد روائح كريهة من تلك المواد.

خطوط سير الإنتاج

يراعى دراسة الآثار البيئية لخط سير الإنتاج في العمليات التصنيعية تحديد المصادر المحتملة للتلوث قبل تنفيذ المشروع لإمكانية تعديل التصاميم في حالة وجود مراحل ينشأ عنها ملوثات وذلك دون الضرر بالسلامة الاقتصادية للمصنع، ويتم إعداد تلك الدراسة مكاتب استشارية متخصصة أو مالك المشروع تقدم على شكل تقرير فني ولتوضيح خط السير، ينبغي توفير خرائط تدفق بالنسبة لسير الانتاج في العمليات التصنيعية في اطار المنشأة الصناعية على يد مهندس تصميم المصنع وتكون تلك الخرائط مبسطة بحيث تبين الجوانب المتصلة بالدراسة ومصادر التلوث أو المخلفات المحتملة وكذلك بيان العمليات التصنيعية البديلة ،وقد تتعدى الدراسة خرائط التدفق وذلك بوضع رسوم ثلاثية الأبعاد توضح الماكينات وخط سير العمليات التصنيعية لإعطاء صورة كافية للمشروع.

الاعتبارات العامة لتقييم المشاريع الصناعية

* ينبغي أن تقوم الدراسات بتصنيف الآثار وتقدير حجمها المحتمل على السواء، غير أنه إذا وضعنا جانباً الإشارة إلى أي جوانب خطرة محتملة وربما اقتراح أي تحذيرات مناسبة فإنه لا يمكن لتقدير الآثار في حد ذاته أن يطغى على الميزة العامة للمشروع، لأن ذلك يتوقف على قيمة المشروع كوسيلة لتحقيق المنافع القومية والاقليمية، أما ما يمكن توقعه بصورة معقولة من تقدير الآثار البيئية فهو تقييم للمزايا البيئية النسبية للاختيارات البديلة للمشروع مع تقدير نسبي لدلالة الآثار البيئية وتوفير معلومات كافية من أجل اتخاذ قرار حول السياسة المطلوب اتباعها، و في الكويت يقوم العاملون المؤهلون في قسم المشاريع الصناعية والتنموية بتعريف وتحديد مقدار المؤثرات والمعايير البيئية لتقييم الآثار النهائية للمشروع وذلك بعمل تقارير فنية تسهل مهمة صانع القرار النهائي.

كما يجب أن يراعى دراسة مدى تأثير إقامة المشروع الصناعي المصنع على المجاورات ومدى تأثير المشاريع المجاورة في المصنع، فمن المعروف أن الملوثات الغازية هي المؤثرات الرئيسية التي تؤثر تأثيراً مباشراً على المجاورات في حالة عدم التحكم في انبعاثها ولسهولة انتشارها مما يتطلب تحديد نوعية الغازات المنبعثة ومدى خطورتها ووضع وسائل التحكم المناسبة من مداخن أو مراوح شفط وفلاتر خاصة مع وضع أجهزة الرصد المستمرة. وفي حالة وجود مخلفات سائلة ضارة يجب العمل على معالجتها قبل تصريفها في شبكة الصرف الصحي أو إلى البحر لاحتمالية تأثيرها السلبي على شبكة المجاري أو على الخصائص الطبيعية للبحر خاصة إذا كان موقع المصنع على البحر حيث يتم أخذ المياه لعمليات التبريد ثم التخلص منها بعد ذلك بالقائها في البحر وتكون مشبعة بالمواد الكيماوية والزيوت التي تضر بالبيئة البحرية.

كما يجب أن يتم تحديد الملوثات الصلبة ومخلفات عمليات الإنشاء وعمليات التصنيع والتشجيع على عمليات إعادة التصنيع وتدوير النفايات والتنسيق مع بلدية الكويت للتخلص من تلك النفايات.

متابعة المشاريع الصناعية بعد التنفيذ

يجب متابعة المصانع بعد تنفيذها ومزاولة الأنشطة فيها للحرص على البيئة من خلال اقسام مختصة في إدارة البيئة الصناعية في الهيئة العامة للبيئة حيث يقوم فريق من العاملين بالتنسيق مع أقسام إدارة التخطيط والمردود البيئي والتحقق من مدى تطبيق الاشتراطات البيئية لتلك المشاريع والتي وردت في اللائحة التنفيذية لقانون إنشاء الهيئة العامة للبيئة والصادرة في مجلة"كويت اليوم" في العدد أكتوبر 2001 بالإضافة إلى أي شروط أخرى يرى فريق العمل أهليتها تتعلق بكل مشروع على حدة.

المصدر : مجاة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 64