جزر الكناري

جزر الكناري

خياطة الأغصان المجدولة عادتها التقليدية

الكناري : جزيرة الزهور التي نشأت بنشاط بركاني!

عنود القبندي

جزر «الكناري» التي تقع شمالي غرب القارة السوداء، معروفة منذ القدم، وكان كل ما يقع شمالها أرضاً غير معروفة. في الأول من يوليو عام 1419 حدد فريق «جونسالفز زاركو» موقع العديد من طيور البحر، وهذه إشارة إلى وجود أرض. وبالفعل، ظهرت الأرض في الأفق في ذاك اليوم المحدد، على بعد حوالي 550 كم من الساحل المغربي. ولقد سميت «ماديرا» أي الخشب يرجع إلى وفرة الخشب في الجزر. وحالياً، بعد أكثر 500 سنة في العاصمة «فونشال» وحدها، يتواجد أكثر من مائة ألف مواطن، وازدهرت جزيرة الخشب القديمة «ماديرا» وأهم ما يميزها هونمو نباتات بكثرة ومن بينها قصب السكر، حيث أتت هذه النبته من صقلية الايطالية إلى ماديرا في أوائل القرن الخامس عشر وازدهرت.

يمكن الاستمتاع بقصب السكر نيئاً طبعاً، ولكن على مر السنين، تحول الجزء الأكبر منه إلى منتجات نباتية، بعد أن تمت معالجته ليصبح سكراً مكرراً. لقد تأسست أول مصانع السكر في «ماديرا» في عام 1450، إذ كان السكان من جزر «الكناري» المجاورة يستخدمون المعصرة اليدوية لإستخراج العصير الحلو المذاق من قصب السكر، واليوم ما زالت هناك معصرة قصب سكر واحدة وهي تملك كل جاذبية متحف الحرف اليدوية، وتعود كل الآلات إلى 50 سنة على الأقل. وما يستخرجونه اليوم من تلك النباتات يتجه نحو صناعة براندي قصب السكر، عندما يمزج بالعسل وعصير الليمون، يصبح شرابًا تقليدياً رائعاً في جزيرة «ماديرا».

نقل السياح

إن وسائل نقل السياح الغريبة هذه هي تقليدية أيضاً، فقد ظلت المركبات الخشبية التي تجرها الثيران موجودة حتى الثمانينات، فكما هي زوارق «الجندول» بالنسبة إلى البندقية، كذلك هي حال الزلاجات المصنوعة يدويًا. إن العاصمة «فونشال» هي بالمعنى الحقيقي للكلمة، بلدة مزدهرة، وفي معظم أيام السنة، يمكنكم الجلوس تحت أشجار رائعة وفيرة الظل.

تعتبر «مركادو دوس لافرادوريس» مكان الاجتماع المفضل بالنسبة إلى سكان الجزيرة والسياح، إنه سوق العمال في المزارع الذي يقع وسط «فونشال». فمنذ عام 1835 كانت هناك منتجات نموذجية للجزيرة كالزهور التي تزرع بكثرة في «ماديرا» منذ عدة قرون بسبب المناخ الملائم حيث يوجد أكثر من 700 نوع مختلف من النباتات في جزيرة الأطلسي، من بينها الفاكهة والخضار من كل نوع يمكن تصوره، يومي الجمعة والسبت تحديدًا، يجتمع التجار في السوق، بهدف عرض منتجاتهم العديدة للبيع.

نشاط بركاني

نشأت هذه الجزر نتيجة نشاط بركاني الذي بدأ حوالي 19 مليون سنة، بورتو سانتو منذ 8 ملايين سنة، وماديرا 5 ملايين سنة، لذا ترتبها بركانية خصبة ولكن الظروف المحلية على الجزيرة تحد من حجم المناطق الزراعية المحتمل، لذلك يجب التفكير جيداً في استعمال كل متر مربع، وتبدو بعض الحقول ملتصقة بالجدران الصخرية كأعشاش السنونو. ويقع 90 % من الجزيرة على ارتفاع يتجاوز 500 م، وقد أدى هذا إلى ظاهرة طبيعية أخرى مميزة في «ماديرا»، وهي «كابو جيراو» أي ثاني أعلى ساحل مرتفع في العالم. ويتوقف الساحل في جنوبي «ماديرا» فجأة على ارتفاع تقريبا مسافة 580م في البحر.

أثرت طبيعة الجبل في جزيرة «ماديرا» ولاسيما في البنى التحتية بشكل كبير، فمنذ 100سنة فقط، كانت طرق الوصول إلى الوادي عبر الطرق الجبلية محفوفةً بالمخاطر. وعلى ارتفاع 700م يكون مناخها رطبًا وباردًا أكثر من مناخ الشواطئ المشمسة، وهكذا، تنمو هنا نباتات موجودة أيضًا في «أوروبا الوسطى» هي الصفصاف. تمثل عملية معالجة الصفصاف إحدى أقدم الحرف اليدوية في الجزيرة، إذ تقطع الأغصان الصغيرة بين شهري يناير ومارس بعدها تطهى أغصان الصفصاف على نار هادئة عدة ساعات في أحواض كبيرة جداً، لا تؤثر عملية المعالجة في الخشب ولكنها تلين اللحاء، الذي ينزع بعدئذ بسهولة. بعد أن نزع عنها لحاءها، تبدو أغصان الصفصاف لينة جدًا، ويجب الآن تجفيفها في الهواء، ثم جمعها على شكل رزم صغيرة. ويتطلب قياس الوقت الصحيح لإنهاء عملية التجفيف خبرة كبيرة، فكلما كانت ظروف التخزين أفضل، تكون النوعية أفضل في عملية الإنتاج المقبلة.

كانت خياطة الأغصان المجدولة عادة تقليدية في «ماديرا» منذ استيطان الجزيرة تقريباً، ففي البداية، كانوا يصنعون فقط السلال الخشنة لنقل الحجارة والتراب إلى المدن النامية، وتدريجياً بدأوا يصنعون أغراضاً يدوية، وفي عام 1880، بدئوا يقلدون المفروشات الآتية من «إيطاليا» ولم ينتظروا طويلاً فابتكروا أسلوباً محلياً مميزاً.

الحيتان

استقر صيادو الحيتان في «الأزوريس» في «ماديرا» لعشقهم عنبر الحوت منذ عهد قريب نسبياً، لهذا السبب لم تتقدم محطة صيد الحيتان الأولى هنا قبل عام 1940. إن سكان جزيرة «الماديرا» يستخدمون قوتهم الجسدية في الصيد، وبقيت هذه الطريقة من أقدم الطرق في صيد الحيتان، في خلال سنوات، قتل 300 حوت وجذبت كلها إلى الساحل المجاور. من جسده الضخم، كانوا يعدون وجبة مؤلفة من الزيت والعظام، في عام 1982، منع صيد الحيتان من أجل حماية حيوان البحر الضخم هذا. وحالياً، إن فصائل الحيتان التي تمر بالقرب من شواطئ «ماديرا» محمية تماماً، وهذه هي حال دلافين «المحيط الأطلسي» أيضاً. فعلى الرغم من أن طولها يصل إلى أكثر من 2م ويصل وزنها إلى 140 كجم، إلا أنها تعتبر فرداً حقيقياً من عائلة الحيتان.

تغامر الدلافين بعيداً في «المحيط الأطلسي»، إذ أن عرض البحر هو موطنها، وحتى هذا اليوم، توجد على جزيرة «ماديرا» مناطق محمية، ولاسيما المنطقة الجبلية، التي يصل ارتفاعها إلى 1800م تقريبا، وقد بقيت غير مسكونة.

الغابة

ويكون التيار الاستوائي الشمالي الشرقي رطبًا بشكل دائم، وتشكل كمية تساقط الأمطار القلب الأخضر في «ماديرا» وهي أكبر غابة قديمة من شجر الغار في العالم، وتغطي أكثر من 150كم²، ويعتقد أنها تعود إلى ملايين السنين وفق تقديرات بعض الباحثين. وحتى اليوم، يتم إجراء الكثير من الأبحاث حول كائنات الغابة القديمة جداً والتي تمثل شكلاً انتقالياًَ بين غابة المطر الاستوائية وغابة «سليروفيلوس» المتوسطية. وبما أن طبيعة أرض «ماديرا» من أصل بركاني، فلم يكن هناك قط جسر أرضي إلى اليابسة، وأصبحت عدة فصائل مستوطنة في الجزيرة غير موجودة في أي مكان آخر من العالم. بين شهري أبريل وأغسطس يتفتح بشكل مذهل جداً ما يدعى بـ روعة الماديرا وهو نوع من «البوغلصن»، المتواجد في الجزيرة. ولم يكتشفوا قبل عام 1979 أن الطنانة هي أيضًا متوفرة في جزيرة الأطلسي، وتنجذب الفراشات الحمراء الكنارية إلى براعم «البوغلصن». والفراشات الموجودة فقط في بعض أصغر الجزر معرضة للخطر بسبب التغييرات المناخية، وقد هاجر هذا الأبيض في السبعينات في جزيرة «ماديرا»، ولعل الفراشة الملكة قد هاجرت بشكل عرضي. وخلال بعض السنوات، يتساقط في غابات الغار في «ماديرا» أكثر من 3000ملم من الأمطار، ما يوفر الظروف المثالية لغابة بدائية استوائية، في التربة الرطبة، يمكننا العثور على هذه المخلوقات وهي الحلازين بكثرة حيث تحتوي أكثر فصائل الحلازين المتنوعة في العالم إذ يوجد حوالي 270 فصيلة مختلفة وعدد كبير منها مستوطن ويصل إلى 70 %.

رذاذ المطر

كل يوم تقريباً، يتساقط رذاذ خفيف من الأمطار على الغابات القديمة، وفي السابق الرياح الاستوائية العاصفة تؤثر في الأشجار العالية في الغابة، ولكن بعد وقت قصير، تخرج الأشجار الرطوبة مجدداً، وهذه دورة دائمة لغابات «ماديرا» الجبلية. والسحلبيات البرية نادرة جداً، وهناك أربع فصائل من أصل خمس موجودة فقط في جزيرة «ماديرا»، تتفتح السحلبيات البرية بين شهري مايو ويوليو، ولم يكتشف منذ فترة طويلة جدًا سوى مجرد فصائل فريدة بين النباتات والحشرات في الغابات القديمة، فعصفور «الصعوة» المايديري هو أصغر عصفور في «أوروربا» وهي طيور مميزة في العالم، يزن 5 جم ويبلغ طوله 9 سم فقط، وهو في بحث دائم عن الطعام للمحافظة على مخزون الطاقة، فالحيوانات الصغيرة جداً والحشرات هي على قائمته، وبعد بضع دقائق فقط، يتواصل البحث عن الطعام، مثل بيض الفراشات الصغيرة جداً هذه. وبسبب تخصصه، احتل عصفور «الصعوة» الماديري مكانًا في غابات الغار.

الثعابين

وبالنسبة إلى «الثعابين»، فإن حجارة الحمم الشديدة التحدر هو موطنها المفضل، فالحيوانات الصغيرة غالبًا ما تكون مخططة الظهر، بينما الحيوانات الكبيرة، التي يتجاوز طولها 20 سم، فلديها لون موحد تقريباً، وليست حشرات الجراد المهاجرة مألوفة، لذلك فهي تفضل أكثر كغنيمة. المواطن الطبيعية في معظمها لم يلوثها شيء والمناخ المعتدل غير الموسمي يجعل من جزيرة الأطلسي أحد أكثر الأماكن المقصودة لقضاء العطل من قبل الزوار من كل العالم. وبسبب هواء البحر الصحي، كان الملوك يمتلكون أماكن صغيرة هنا.

الأسماك

إن تجفيف الأسماك هي إحدى أقدم الوسائل في العالم للمحافظة على هذه المخلوقات البحرية التي تنقرض بسهولة، ولكن بينما تختفي هذه العادة التقليدية تدريجياً، هناك بعض البلدات فقط حيث ترى فيها قطع السمك موضوعة في الخارج لتجف. والملح جزء مهم في عملية التجفيف، إنه يستخلص الماء من اللحم ويساعد في المحافظة على السمك. وبعد عملية التمليح، توضع الأسماك على ألواح خشبية وتعرض للشمس من دون معالجة أخرى، عملية التجفيف السريعة تحافظ على السمكة لوقت طويل جداً. ولطالما تخصص صيادو الأسماك في «كامارا دي لوبوش» ليس فقط في تجفيف السمك وإنما في طريقة صيدها، إن السمك الذي يدعى «السيف» يستلزم طريقة مميزة وغريبة في صيده. فبواسطة صنارات مزودة بطعم، يتم اصطياد ساكن قعر البحر، الذي يصل طوله إلى متر ونصف المتر، على طول ساحل «ماديرا» المرتفع. وتعود الوسيلة الخاصة لعقد مئات الصنانير لصيد الأسماك في قعر البحر إلى عام 1840، ووفقاً لتقاليد الصيد لديهم، تصطاد أسماك «السيف» ليلاً فقط. يغرق الصيادون الصنانير، وينتظرون إلي أن تعلق الأسماك بها، قبل بزوغ الفجر، يعود الصيادون مع غنيمة لا بأس بها.

الجزيرة المهجورة

على بعد حوالي 20 كم إلى جنوب شرقي الجزيرة الرئيسية، تقع «الديزرتاس» أي «الجزر المهجورة»، إنها غير مسكونة وجافة وذات شكل غريب، لا تغطي هذه الجزر الثلاثة مساحة كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أن «الديزرتاس» تبدو كصحراء مقفرة، إلاّ أنها تمثل محمية طبيعية ذات أهمية دورية. فعصافير «الكناري» ترتاح هنا وتشرب من البرك الصغيرة، إذ لا يوجد هناك مخزون ثابت من المياه النظيفة. ويعيش في هذه الجزيرة طير جلم الماء الذي يعيش مختبئاً بين الصخور، كما يعيش عنكبوت الديزرتاس الذئبي في الكهوف المظلمة. وتعتبر سواحل الديزرتاس ملجأ الثدييات النادرة في أوروبا مثل شيخ البحر الذي تم اصطياد على مر القرون، لدرجة أن هذه الفصيلة أصبحت الآن تتعرض لخطر الانقراض الآن. وتغوص «شيوخ البحر» في ملجأ محمي، ومع ذلك، يجتمع هنا بخلاف كل الأماكن عالمان مختلفان وهما «الدييزرتاس» وهي الجزر المهجورة وجزيرة «ماديرا» الغنية بالزهور.

كل سنة، عند نهاية شهر أبريل وبداية شهر مايو، يكسو العاصمة «فونشال» زيّ أخضر مميزٌ وينتشر بساطاً من البراعم، وتنسق آلاف الأيدي ملايين الزهور، وبالنسبة إلى الشباب والمسنين، هناك هدف مشترك واحد هو المحافظة على حماية وتنسيق الزهور في هذه الجزيرة التي تلمع كالزمرد في «المحيط الأطلسي».

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 121