استصلاح الأراضي الملحية

 


استصلاح واستزراع الأراضي الملحية


 


 


 


د. جاسم محمد العوضي - عضو اللجنة الوطنية لمكافحة التصحر


 


يتوقف انتشار الأراضي الملحية في العالم على نوعين من العوامل وهما العوامل المناخية والعوامل الجيومورفولوجية، توجد الأراضي الملحية في المناطق ذات المناخ القاري أو حيث يسود الجفاف مما يسبب في زيادة البخر وتجمع الأملاح . وتنتشر الأراضي الملحية أيضاً في أراضي البحيرات والأنهار والوديان الرسوبية والوديان العميقة بين الجبال، وتكثر الأراضي الملحية في المناطق الجافة وشبه الجافة قليلة المطر ومرتفعة الحرارة حيث تسرع عملية البخر على تكوين الأملاح وارتفاعها إلى سطح التربة عن طريق الخاصية الشعرية ..


من العوامل الأخرى التي تؤدي إلى تملح التربة وتدهورها، ندرة مصادر المياه العذبة واستخدام المياه عالية الملوحة لاستغلال واستزراع الأراضي، ويؤدي استخدام هذه المياه في الري إلى تجمع الأملاح في منطقة نمو الجذور حتى مستوى معين يترتب عليه عدم قدرة النبات على امتصاص الماء بكمية كافية من محلول التربة الملحي وينعكس ذلك في انخفاض معدل نمو النبات وظهور أعراض مشابهة للأعراض التي تظهر على النبات عند تعرضه للجفاف، مما يؤدي إلى انخفاض المحصول .


كما يؤدي تراكم الأمـلاح في منطقـة نمو الجذور إلى حدوث عملية التمليح أو القلويــة أو هما معاً وباستمرار حدوث هاتين العمليتــين وعـــدم إيقافهمـا تتحول التربة إلى تربة غير منتجة. وتصنف أنواع الأراضي الملحية - حسب التقسيم الأميركــي الصادر عن معمل الملوحة الأميركي رفر سايد ( US. SALINITY LAB - RIVERSIDE ) إلى ما يلي :


 


* أراضي ملحية : ويكون تركيز الأملاح بمستخلص التربة المشبعة أكثر من 4 ديسي سيمنز/م ومعدل الصوديوم المتبادل ( ESP ) أقل من %15 والرقم الهيدروجيني أقل من 8.5. 


* أراضي ملحية صودية : ويكون تركيز الأملاح بمستخلص التربة المشبعة أكثر من 4 ديسي سيمنز/م . ومعدل الصوديوم المتبادل أكثر من %15، والرقم الهيدروجيني أقل من 8.5. 


* أراضي صودية : ويكون تركيز الأملاح بمستخلص التربة المشبعة أقل من 4 ديسي سيمنز/م، ومعدل الصوديوم المتبادل أكثر من %15 والرقم الهيدروجيني بين 8.5 - 10.


يطلق محلول التربة على الماء الموجود بين حبيبات التربة ( المسامات ) وما يحتويه من أملاح ومواد ذائبة فيه.  ويمتص النبات معظم العناصر الغذائية الضرورية له من محلول التربة ففي الأراضي الملحية يكون تركيز الأملاح في محلول التربة عالياً ويتراوح من 0.1 - 5 مول/لتر أو أكثر.


ويؤثر تركيز الأملاح في عملية التبادل الأيوني في التربة مثل الكالسيوم والصوديوم وبالتالي يؤثر في خواص التربة الكيميائية والفيزيائية، ويؤدي ارتفاع نسبة الصوديوم المتبادل في التربة إلى سد مسامها، وبطء نفاذية الماء للتربة العميقة وسوء تهويتها فيجعل التربة غير منتجة ويعد الرقم الهيدروجيني للتربة الذي يتراوح من 4 ( أراضي حامضية ) إلى 10 ( أراضي شديدة القلوية ) ، من أهم الصفات الكيميائية للتربة لأنه يؤثر في مدى تيسر العناصر الغذائية في التربة بجانب أنه يؤثر في النشاط الحيوي للكائنات الدقيقة للتربة.


 


تأثيرات الرقم الهيدروجيني في نمو النباتات


1 - توفر العناصر الغذائية اللازمة للنمو .


2 - درجة ذوبان العناصر في التربة .


3 - توفر العناصر الغذائية من المعادن والصخور من خلال عملية التهوية .


4 - كمية التبادل الأيوني .


5 - نمو وانتشار جذور النبات .


ويمكن الاستدلال على ملوحة الأرض من الأعراض التي تظهر على النباتات . وتتلخص هذه الأعراض في تقزم النباتات النجيلية ويصبح لون أوراقها أخضر مزرقاً أو داكناً، وتظهر أعراض الاصفرار المصحوبة بجفاف وحرق حواف الأوراق وقمم الأنصال وانخفاض نسبة المحصول.


 


استصلاح واستزراع


عادة تعرف الأراضي المتدهورة بالأراضي المحتوية على نسبة عالية من الأملاح الذائبة بالإضافة إلى سيادة الصوديوم المتبادل . وهذه الأراضي تتأثر خواصها الكيماوية والطبيعة نتيجة زيادة درجة تركيز المحلول الأراضي وزيادة تشبع الحبيبات الدقيقة للتربة بأيونات الصوديوم.


وتقسم الأرض حسب درجة ملوحتها إلى الآتي :


* أراضي عادية الملوحة : لاتزيد نسبة التوصيل الكهربائي في مستخلص التربة عن 4 مليمتر/سم 25.


* أراضي متوسطة الملوحة : لاتزيد نسبة التوصيل الكهربائي في مستخلص التربة عن 4 - 8مليمتر/سم 25.


* أراضي مرتفعة الملوحة : لاتزيد نسبة التوصيل الكهربائي في مستخلص التربة عن 8 - 16مليمتر/سم 25.


* أراضي مرتفعة الملوحة جداً : لاتزيد نسبة التوصيل الكهربائي في مستخلص التربة عن 16 مليمتر/سم 25.


ومن الوسائل الناجحة في استصلاح الأراضي المتدهورة أن نبدأ بدراسة تأثير الأملاح على خواصها الطبيعية . فمثلاً أملاح كلوريد والصوديوم والمغنسيوم والكالسيوم تساعد على تجميع حبيبات التربة، مما يؤدي إلى تفتح مسام التربة وسهولة تشربها للمياه . وعلى العكس من ذلك، فإن وجود كربونات الصوديوم يسبب تلفاً كبيراً في خواصها الطبيعة، إذ تنفرد حبيباتها ولا تتشرب مياهها كما أنها تصبح شديدة الصلابة عند الجفاف بحيث يتعذر معها القيام بعمليات الفلاحة.


 


ومن أهم التأثيرات في خواص التربة هي


* التغير في التركيب البنائي للتربة.


* التأثير على غرويات للتربة.


* تكوين طبقات غير منفذة للماء والهواء كما أنها تمنع انتشار الجذور.


* التأثير في نفاذية التربة، إذ أن المحاليل الملحية المركزة تساعد على سرعة حركة المياه للأسفل، بينما الأملاح القلوية ( كربونات الصوديوم ) فإنها تساعد على تفرقة حبيبات التربة وهدم بنائها وبالتالي قفل المسام البينية ومنع حركة المياه للأسفل.


* التأثير في النشاط الحيوي بالتربة، فالنسبة العالية من الأملاح تضر أو تصل لحد السمية للكائنات مثل البكتيريا.


وتغير الخواص الكيماوية بالتربة في الأراضي الملحية ( المتدهورة ) ، يفقد قدرة تحمل بعض النباتات على النمو فيها بسبب انخفاض كفائتها في امتصاص قدر كاف من الكالسيوم، وتتوقف درجة تحمل النباتات على :


1 - التركيب الفسيولوجي للنبات الذي يعتمد على تأثير الملح وطبيعة عصارة الخلايا ونشاط الخلية.


2 - طبيعة نمو المجموع الجذري فالنباتات عميقة الجذور مثل : بنجر السكر، البرسيم أكثر تحملاً، ويرجع ذلك إلى أنه عند انتشار الجذور في باطن التربة تبتعد كثيراً من منطقة تجمع الأملاح القريبة من السطح.


 


ويستلزم لاستصلاح الأراضي الملحية وجعلها صالحة للزراعة، وانتاج محاصيل اقتصادية ما يلي :


* التخلص من الأملاح المتراكمة على السطح.


* التخلص من الصوديوم المتبادل وإحلال الكالسيوم محله.


* تحسين الخواص الطبيعية والكيماوية والحيوية للتربة من خلال عمليات الغسيل والصرف وإضافة محسنات للتربة.


* العمليات الزراعية.


فمن أهم عمليات استصلاح الأراضي الملحية غسيل الأملاح الموجودة في قطاع التربة، والغسيل قد يكون سطحياً أي بغمر التربة بالمياه ثم تصرف سطحياً مع تكرار العملية، هذا في حالة تجمع كميات كبيرة من الأملاح على سطح التربة، وقد يكون الغسيل جوفياً وهو أن تسمح للمياه بالتحرك جوفياً تجاه المياه الجوفية وقبل البدء في عملية الغسيل يجب التأكد من أن شبكة المصارف تعمل بكفاءة عالية وميولها مناسبة ولا يوجد بها أي موانع تعوق سير المياه فيها وأن لا تترك مياه الغسيل مدة كبيرة حول النباتات وخاصة في فصل الصيف لعدم سلق النبات.


والغسيل السطحي يساعد على التخلص من طبقة الملح التي تكسو سطح الأراضي الملحية بدلاً من إذابتها وتخللها التربة، بينما يعمل الغسيل الجوفي على تحسين خواص التربة الطبيعية وتحسين بنائها، والتخلص من الأملاح الذائبة، وحفظ رطوبة التربة وزيادة النشاط الحيوي لها، ونظراً لاحتواء جميع مياه الري على كمية من الأملاح الذائبة فيها، لذا يجب أن تضاف كمية من المياه العذبة تكفي لسد احتياجات النبات من البخر وغسل الأملاح من منطقة الجذور.


 


وبصفة عامة تقتضي عملية استصلاح الأراضي الملحية الخطوات التالية :


* توفير جيد لمياه الري. 


* وجود نظام صرف جيد.


* خفض تركيز الأملاح إلى درجة مناسبة في قطاع التربة حتى عمق يسمح لجذور النباتات بالنمو .


* خفض مستوى المياه الجوفية إلى عمق لا يسمح للماء بالصعود إلى سطح الأرض.


* معادلة كربونات الصوديوم وخفض الصوديوم المتبادل بالتربة وإزالة العامل المسبب للقلوية، وذلك باختيار نوع السماد وكميته المناسبة مع مياه الري.


* معالجة الظروف المحلية للتربة كالمحافظة على استواء الأرض لمنع تراكم الأملاح عليها، وفصل الأرض عن مصادر الأملاح.


* زراعة المحاصيل بمسافة بعيدة كزراعة خط وترك آخر دون زراعة.


* اختيار محاصيل مقاومة للملوحة عند بداية الاستصلاح.


* توفير المال اللازم للاستصلاح.


 


 


 


المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 69