صيد الأسماك

 


الكارثة ستظل خلال 50 عاما


 


صيد الأسماك يدفع العالم إلى مأساة بيئية مرعبة


 


 


 


د. ضياء محمد


 


ابحر العلماء على متن سفينة الابحاث «تانفاروا» من استراليا بحثاً عن جبل تحت الماء موجود في صدع نورفولك ببحر تاسمان، وذلك بعد أن أشارت خرائط السونار إلى أن هذا بالضبط ماكانوا يبحثون عنه  منحدرات خفيفة خالية من الصخور والجروف وذروة ترتفع إلى مسافة 2000 متر تحت سطح الماء.


لكن في اليوم الخامس من الرحلة، كان البحر هائجاً ولم يكن بمقدورهم العثور على الجبل في أي مكان، وهكذا قرر العلماء على مضض استكشاف جبل آخر تحت الماء، وانزلوا «شبكتهم»  صندوق معدني مبطن بالشباك، وراحوا يجرونها إلى أعلى المنحدر الذي تعتريه صدوع ووديان وعرة عرقلت حركة الشبكة إلى حد كبير.  


في ذلك اليوم تمكن طاقم السفينة من اخراج غنيمة صغيرة من المخلوقات اسماك عنكبوتية وسرطانات طويلة الأرجل وكائنات أخرى تتردد على الجبال البحرية.  


وبدا اثنان من هذه المخلوقات غريبين جداً سمكة تنين لا يتجاوز طولها 7 سنتمترات لها نتوء يشبه الزائدة الاستشعارية على ذقنها وعضو مضيء على رأسها ربما تستخدمه لاجتذاب فريستها.  


ونوع من سمك الغرناد يحمل على جسمه علامات وألواناً مميزة وفي ذلك المساء دون العلماء في سجل السفينة ملاحظات تشير إلى «صنفين من الاسماك جديدين على العلم».  


عبارة «صنف جديد على العلم» تترافق عادة مع اختلافات صاخبة وبهجة عارمة  لكن الامر مختلف عند علماء الاحياء البحرية فالعلماء الاستراليون والنيوزيلنديون الموجودون على متن السفينة عادوا باكثر من 100 صنف حي جديد محتمل غير أن ذلك لا يشير إلى وفرة المحيط بقدر ما يشير إلى جهلهم به، فالعلماء لا يعرفون سوى النزر القليل جداً عن آليات حياة المحيط.


وفي العقد المنصرم فقط بدأ العلماء يهتمون بالجبال البحرية، حيث تساعد التيارات القوية المحملة بالمواد المغذية القيمة والأوكسجين في دعم الحياة البحرية الوافرة،وهم لم يزوروا إلى الآن سوى القليل من اصل آلاف الجبال المتناثرة في انحاء محيطات العالم.


والمشكلة الآن هي أن ما يعرفه العلماء مثير للقلق والخوف حيث يتفق غالبيتهم أن صيد الاسماك أدى إلى مأساة بيئية مرعبة في كافة بحار العالم.


فبينما كانت سفينة «تانفاروا» تجوب مياه بحر تاسمان، نشر عالم الاحياء الكندي رانسوم مايرز تقريراً جاء فيه أن مواطن الصيد في هذه المنطقة استنزفت تماماً خلال الاعوام الخمسة الأخيرة.


وفي عام 1992 اضطرت الحكومة الكندية لفرض تعليق صيد القد، لكن مضى الآن 11 عاماً على ذلك القرار ولم تعد اعداد سمك القد إلى مستوياتها السابقة، ولا أحد يعرف السبب لقد أدى انهيار اعداد القد في الاطلسي إلى زيادة كبيرة في اعداد فرائسها لاسيما القريدس وقنفذ البحر، الذي راح يلتهم غابات اعشاب البحر محولاً بقعاً كبيرة من قاع البحر إلى مناطق قاحلة خالية من الاعشاب.


 


حقول الموت


وفي دراسة على الانظمة البيئية الساحلية قبل عامين وجد العلماء أن السبب المرجح وراء حقول الموت، المحيطية، وهي مناطق تشهد انهياراً تاماً للنظام البيئي، حيث تملأ الجراثيم الفراغ الذي تخلفه الاسماك واللافقاريات، وجدوا أن سبب ذلك هو الافراط في صيد الاسماك المفترسة وليس التلوث والتسخن الارضي كما كان يعتقد.


وتوجد حقول الموت الآن في خليج المكسيك وخليج تشيسابيك وبحر البلطيق والبحر الادرياتيكي، وهي آخذة بالانتشار إلى عرض المحيطات  وقد تضررت أيضاً الحيود المرجانية في البحر الكاريبي من جراء الافراط في صيد الاسماك الملتهمة للطحالب، مثل سمك الببغاء.


وقامت بهذه المهمة قنافذ البحر طيلة سنوات، لكن عندما اصابها مرض متفش ابادها كلياً في المنطقة اصبحت المرجانيات مشوشة وخضراء اللون بسبب استفحال الطحالب عليها حتى ماتت.


وفي حين يتحفظ معظم العلماء في اعطاء أي تصورات لحجم أو طبيعة التأثيرات المتوقعة في العقود المقبلة على توازن النظام البيئي في محيطات العالم فإن مؤشرات كثيرة تدق ناقوس الخطر على مسامع العالم، مشيرة إلى أن الاستمرار في توجهات الصيد الحالية ربما يؤدي بالعالم إلى كارثة بيئية مرعبة.  


ولذلك يدعو الخبراء المختصون الاطراف السياسية الدولية إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم والمبادرة لفعل كل ما من شأنه وقف نزيف محيطات العالم.


أسماك السالمون التي تهاجر إلى آلاسكا من اجل وضع البيض في بحيراتها، تحمل معها قدراً كبيراً من الملوثات الصناعية ويخشى خبراء البيئة من أن يكون لتراكم هذه الملوثات عواقب سيئة وضارة على الكائنات الحية في المنطقة مثل الدببة والنسور، والإنسان الذي يتغذى على هذا السالمون، بناء على نتائج هذه الدراسة.  


وتقطع اسماك السالمون رحلة طولها نحو الف كيلو متر كل صيف من شمال المحيط الاطلسي لتعود إلى البحيرات التي ولدت فيها  وبعد أن تضع البيض، تموت وتتحلل اجسامها في رواسب هذه البحيرات.


وتأتي اسماك السالمون حاملة ملوثات صناعية مما تغذت عليه في مياه المحيط، كما يقول جولز بليز الباحث بجامعة اوتاوا الكندية ويضيف أن تركيز هذه الملوثات القادمة مع السالمون العائد إلى بحيرات مثل بحيرة فريزر وكودياك في جنوب آلاسكا، يصل إلى سبعة اضعاف تركيزها في البحيرات التي لا تأتي إليها الاسماك.


وتعد نتائج هذه الدراسة ناقوس خطر بشأن البيئة في آلاسكا، فالتلوث بلغ مستويات تعادل نظيرتها في بحيرة سوبريور القريبة من شمال شرق الولايات المتحدة المكتظ بالسكان  ويضيف أن هذه البحيرات نائية لكن مستويات التلوث بها بلغت مستويات التلوث في البحيرات القريبة من المناطق الصناعية.


ويقول إن السالمون يأكل كل المواد الطبية والخبيثة ويوافق على ذلك ديفيد شيندلر الباحث بجامعة البرتا في كندا  والاسماك التي تموت تملأ البحيرات بمادة غذائية حيوية، فإذا كانت تستطيع نقل المواد الغذائية فهي تنقل إيضاً ضارة كما يقول شيندلر.


والمشكلة هنا هي التراكم الحيوي، تراكم الملوثات داخل مخلوقات في قمة السلسلة الغذائية ويحتوي شمال المحيط الهادي على نانو جرام واحد من الملوثات الصناعية لكل لتر وعندما يصل السالمون إلى البحيرات يحتوي جسمه على نحو 160 ملليجرام من هذه الملوثات.


ويقول بليز إن لحم السالمون شهي بالفعل، لكن الاسماك النافقة تصبح طعاماً للحشرات في قاع السلسلة الغذائية، مما يطلق دورة جديدة من انتقال الملوثات، ويحدث ما يشبه ظاهرة الكرة الثلجية التي تزداد حجماً كلما تدحرجت.  


والمخلفات الصناعية السامة تأتي من مخلفات الصناعة وحرق القمامة، وتأثيرها غير واضح على صحة الإنسان، لكن يعتقد أن لها تأثيرات ضارة على الذاكرة والتوافق بين العيون واليد  وتتحطم هذه الملوثات ببطء شديد، لذلك تستطيع الانتشار لنطاقات واسعة من الصعب تعقبها.


وعند دراسة بحيرة لابرج في منطقة يوكون الكندية كان من المعتقد أن التلوث بالملوثات الصناعية وصلها جواً من يوراسيا  بين آسيا وأوروبا  في دراسة اجريت في التسعينيات.


 


 


 


المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 66