لقاء مع م. غانم السند

لقاء مع م. غانم السند

الأدوية البيطرية والمضادات الحيوية تؤثر سلبا على الصحة العامة للإنسان

السند : 50% من متبقيات المبيدات الحشرية يتلقاها الإنسان من غذائه ذي الأصل الحيواني

ريهام عوض

تلعب كافة الأغذية لاسيما ذات المصدر الحيواني دورا مهما في بناء الجسم وتجديد نشاطه وحيويته، وتتجلى أهمية الغذاء في زيادة مقاومة الجسم ضد الأمراض من خلال تكوين الأجسام المضادة والهرمونات اللازمة لنمو وعمليات البناء والهدم اللازمة لتوليد الطاقة. ورغم كل هذه الفوائد  إلا ان الغذاء نفسه يمكن ان يكون مصدرا وسببا لإصابتنا بالأمراض اذا تلوث بأي ملوث بيولوجي او كيميائي نتيجة لعدم تطبيق الشروط الصحية اللازمة لانتاجة وتداوله وتصنيعه. وتأتي قضية تلوث الغذاء في مقدمة الموضوعات التي تحظى بالاهتمام في مختلف الأوساط نظرا لانعكاساتها الخطيرة على كافة الجوانب الاقتصادية والسياسة والتنموية ويندرج تحت موضوع تلوث الغذاء العديد من الجوانب والبنود لكننا في الأسطر التالية سنركز على احدها وهو تلوث المنتجات الغذائية ذات الأصل الحيواني من خلال لقاء خاص لبيئتنا مع مدير دائرة الإرشاد الزراعي في الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية المهندس غانم السند.

* بداية نود أن نعرف كيف تصل الملوثات الغير طبيعية من مبيدات حشرية ومواد كيماوية إلى غذائنا ؟ وما المخاطر التي تترتب على ذلك؟

إنتاج الأغذية الحيوانية يتطلب استخدام الأدوية البيطرية في مزارع الألبان واللحم والبيض بغرض العلاج من الأمراض المختلفة، وحيث أن معظم الأدوية البيطرية مواد كيميائية فمن الممكن أن تمثل متبقياتها خطورة على صحة الإنسان المستهلك للأغذية الحيوانية، وتمثل هذه المتبقيات خطورة على صحة المستهلك إذا كانت فوق المعدلات المسموح بوجودها في المنتجات الحيوانية عند الذبح، وهى نسب محددة من قبل المنظمات الدوائية المختصة(FDA , EMEA).

وتشتمل خطورة هذه المتبقيات على خلق عترات جديدة من المسببات المرضية للإنسان والمقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة في علاجه، واضطراب في بعض الوظائف الفسيولوجية بالجسم مثل تدمير البكتيريا النافعة (MICROFLORA) والتي تقوم بتصنيع بعض المواد المهمة لجسم الإنسان مثل بعض الفيتامينات، وظهور بعض الأمراض مثل الفشل الكلوي والأنيميا (كلورامفينكول)، وكذلك ظهور بعض حالات مختلفة من الأورام السرطانية التي تصيب الأعضاء المختلفة (مجموعة النيتروفيوران)، واضطرابات هرمونية نتيجة استخــدام بعض منشطــــــات النمو (الهرمونات)، لذا يجب توخي الحرص عند استخدام الأدوية البيطرية في علاج أمراض الحيوان للمحافظة على صحة الحيوان والإنسان.

كما ان الأدوية البيطرية والمضادات الحيوية التي تستخدم في المجال البيطري لها تأثير مباشر وغير مباشر على الصحة العامة للإنسان على المدى الطويل وليس آنيا وان هذا التأثير ناتج من بقايا تلك الأدوية التي استخدمت وما زالت تستخدم لعلاج الحيوان او كإضافات أعلاف. واهم قطاع من قطاعات الأدوية البيطرية المضادات الحيوية ومركبات السلفا التي تستخدم كعلاج فعال للعديد من الأمراض التي تصيب الحيوانات وكذلك كعلاج وقائي أيضا وتستخدم كذلك كمنشطات نمو عند إضافتها للأعلاف وكمواد حافظة للأغذية المختلفة كاللحوم والمعلبات والألبان والدواجن. وتؤكد الدارسات العديدة التي تناولت هذا الجانب ان الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية مع الحيوانات يؤدي الى تراكمها في أنسجة الكائنات الحية بنسبة غالبا ما تكون غير مؤثرة لوقف نمو البكتيريا مما ادى الى ظهور سلالات من مجموعات بكتيرية اكتسبت صلادة ومقاومة لهذه المضادات وبالتالي أصبحت أكثر خطرا على صحة الإنسان والحيوان. وقد ثبت علميا ان بعض هذه المضادات كالبنسلين تسبب أعراض الحساسية لدى بعض الأشخاص كما ان بعضها له تأثير سرطاني والجدير بالذكر ان متبقيات المضادات الحيوية ومركبات السلفا لها تأثير سمي مزمن يظهر في صورة فشل كبدي او كلوي على المدى البعيد.

* وما طبيعة التأثيرات التي تحدثها المبيدات الحشرية تحديدا على الغذاء الحيواني؟ وهل تختلف عن متبقيات المبيدات ام أنهما نفس المادة؟

 لكي أوضح الفرق بين المبيدات الحشرية ومتبقيات المبيدات يجب ان اعرف كل منهما اذ تعرف مبيدات الآفات بأنها أي مادة تستخدم لمنع او إبادة او جذب او طرد او مكافحة أي آفة بما فيها الأنواع النباتية والحيوانية غير المرغوبة أثناء إنتاج او تخزين او نقل او توزيع او تصنيع الغذاء او السلع الزراعية والأعلاف الحي وانية وأيضا المواد التي تعالج بها الحيوانات لمكافحة الطفيليات الخارجية.

وغالباً ما يتبقى جزء كبير من المبيدات في التربة لأعوام عديدة (المركبات الكلورونية العضوية) حيث تمتص النباتات جزءاً من هذه الكيماويات وتخزنها في سوقها وأوراقها وثمارها ثم تنتقل الى الحيوانات التي تتغذى بهذه النباتات وتظهر في ألبانها ولحومها. ويتأثر الإنسان بهذه المبيدات مباشرة أو غير مباشرة فهو يتغذى بالحيوانات والنباتات ويصل إليه مع هذا الغذاء كل ما يختزنه من مبيدات وتشير الدراسات إلى أن العديد من أغذية الإنسان من لحوم ودواجن وألبان وبيض وأغذية نباتية قد أصبحت ملوثة بالمبيدات. ومما يزيد من خطورة هذه المبيدات تأثيراتها التراكمية، وأنها تنتقل ضمن حلقات السلسلة الغذائية، ويحتوي لبن الأمهات المرضعات على أعلى نسبة من متبقيات المبيدات لكونه في نهاية السلسلة الغذائية مما يشكل خطورة كبيرة على الأطفال الرضع. إن لتلوث الغذاء بهذه الكيماويات أثاراً بالغة على الصحة حيث تؤثر المركبات الهيدروكربونية المكلورة على الجهاز العصبي فتصيبه بالتهيج كما تؤثر على الكبد فتضطرب وظائفه وكذلك تضر بالتناسل فتـضعـف الخصوبة وتشوه الأجنة. أما المبيدات الفسفورية العضوية فهي سامة جداً لكافة أنواع الحيوانات والإنسـان وتؤدي إلى خفض إنزيم الكولين استريز فتجمع مادة الإستيل كولين داخل الجسم محدثاً أعراض التسمم من غثيان، عرق، رغاوى حول الفم، فشل التنفس وتشنج قد يؤدي إلى الوفاة، أما التسمم المزمن الناجم عن تناول أغذية تحتوي على متبقيات لهذه المركبات فتسبب التهابات مزمنة بالكبد والكلى والمناسل، كما أن لها تأثيرات مسرطنة.

أما متبقيات المبيدات فيقصد بها أي مادة معينة بالغذاء او السلع الزراعية او الأعلاف الحيوانية ناتجة عن استعمال المبيدات ويشمل المصطلح مشتقات المبيدات مثل أنواع التحول والايض ونواتج التفاعل. وهناك العديد من الدراسات التي تشير إلى تلوث الماء والثروة السمكية والحيوانية والألبان واللحوم الناتجة منها بمتبقيات المبيدات الحشرية ويضاف الى ذلك تعرض الإنسان للخطر المباشر للمبيدات اثناء عملية الرش ذاتها، وللمبيدات الحشرية تأثير مثيط على نمو البكتيريا النافعة والمهمة في صناعة بعض منتجات الألبان والتي تؤدي الى خسارة اقتصادية كبيرة. ولكل مبيد حشري تركيز أمان معين في المواد الغذائية قامت بوضعه منظمة الصحة العالمية ويعبر عنه بالمليجرام لكل كيلو جرام من المادة الغذائية ولا يؤدي الى ضرر على صحة المستهلك. وقد أثبتت الدراسات ان 50 % مما يتلقاه الإنسان من متبقيات المبيدات الحشرية في غذائه مصدره منتجات غذائية ذات أصل حيواني كاللحم واللبن والبيض.

* نسمع كثيرا أيضا عن الديوكسينات فما هي وهل تلوث الغذاء ايضا؟

الديوكسينات تعتبر من أشد المركبات خطورة على البيئة وهي شديدة السمية للإنسان. وقد أدى حريق كبير بمصنع للمبيدات في مدينة بهوبال بالهند عام 1984 إلى تسرب غاز الدايوكسين مما تسبب في وفاة 2000 شخص ومرضى وإصابة أكثر من 200.000 شخص بالإضافة لنفوق عدد كبير من الحيوانات. واستخدمت القوات الأمريكية في حرب فيتنام كميات كبيرة من مبيدات الحشائش لإزالة الغابات والأحراش مما أدى إلى تلوث شديد للبيئة والأغذية. وكذا أطلق مؤخرا (عام 1999) كارثة الدايوكسين في بلجيكا حيث تلوثت لحوم وبيض الدجاج نتيجة لإضافة زيت معدني إلى علائق التغذية، كما حدث في نفس العام تلوث لبعض المشروبات الغازية في فرنسا.

ومركبات الدايوكسين ذات درجة ثبات عالية لا تقل عن 10 سنوات، ومحبة للدهون وتتحد طبيعيا مع المواد العضوية الموجودة في الماء والتربة ويتراكم في أنسجة الحيوانات ويفرز في الألبان والبيض. كما أن مركبات الدايوكسين لا تتحلل إلا عند درجات حرارة مرتفعة جداً. وترجع أسباب التلوث البيئي بالدايوكسين إلى تكونه مركبات ثانوية غير مرغوب فيها نتيجة لأنشطة إنسانية صناعية أو زراعية أهمها:

- تصنيع بعض المركبات الكيميائية مثل مبيدات الأعشاب والفطريات.

- المحارق للتخلص من مخلفات المدن والمستشفيات وبخاصة البلاستيك والتي يجب ألا تقل درجة حرارتها عن 900م.

- مخلفات مصانع الورق والبلاستيك وصهر المعادن وخاصة النحاس.

- إضافات العلائق الحيوانية.

ويؤدي تلوث الماء والتربة بالدايوكسين إلى التصاقه بالمواد العضوية وتراكمه في السلسلة الغذائية، إذ يتضاعف تركيزه في الأسماك مئات وآلاف المرات، وكذلك يتراكم في اللحوم والألبان حين تتغذى الحيوانات والدواجن على عليقة ملوثة. ولما كان الإنسان يقف على قمة السلسلة الغذائية فإنه يحصل على أعلى كمية من الدايوكسين. ويؤدي التسمم بالدايوكسين إلى ضعف المناعة واضطرابات هرمونية وتناسلية وتشوهات جنينية، كما يؤدي إلى زيادة معدل الإصابة بسرطان الخصية والبروستاتة والثدي والعديد من المخاطر الأخرى.

* وما سبل الحد او التقليل من الآثار السلبية الصحية للمتبقيات في المنتجات الحيوانية؟

لتقليل الآثار الضارة لمتبقيات في المنتجات الحيوانية يجب اتباع مايلي:

التاكد من أن الدواء مسموح باستخدامه مع الحيوان المعالج من قبل المنظمات ذات الصلة )FDA , EMEA(، وعدم احتواءه على مواد محظور تداولها.

وكذلك التشخيص الصحيح للمرض من قبل الطبيب البيطري المتخصص،و اختيار الدواء المناسب والجرعة وطريقة الاستخدام وذلك بإتباع الإرشادات الخاصة الموجودة بالنشرة العلمية المصاحبة لكل عبوة دوائية، وعدم إعطاء أكثر من دواء في وقت واحد الا من قبل الطبيب المختص العالم بالمعلومات الخاصة بالتفاعلات الدوائية (Interaction Drug).

ومن الضروري ايضا اختيار الغذاء المناسب للحيوان أثناء فترة العلاج، حيث أن بعض الأدوية تفقد فعاليتها في وجود بعض العناصر الغذائية،مثل أملاح الكالسيوم والحديد التي تعوق امتصاص التتراسيكلين، والاستمرار في إعطاء الدواء للحيوان حتى بعد انتهاء الأعراض الظاهرية للمرض وهو ما يسمى بالفترة العلاجية وغالباً ما تكون من 3 - 5 أيام متواصلة، وإتباع فترة سحب الدواء
(withdrawal period) الموجودة بالنشرة العلمية للدواء قبل استهلاك المنتجات الحيوانية للتأكد من عدم وجود متبقيات ضارة في اللحم أو اللبن أو البيض، وأخيرا يجب إجراء التحليلات البكتيريولوجية أو الكيميائية على المنتجات الحيوانية قبل تداولها بالأسواق للتأكد من عدم احتواءها على متبقيات دوائية فوق المعدلات المسوح بها.

وأخيرا عمل مسح دوري وشامل للمتبقيات في الأغذية ذات الأصل الحيواني واعدام ما يثبت تلوثه بما يزيد عن النسبة المسموح بها كما حددتها منظمة الصحة العالمية والزراعة.

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 115