مقابر الكمبيوتر

 


مقابر الكمبيوتر تهدد البيئة


 


 


 


سليمان داود الشراد


 


لقد ساهمت الحضارة والصناعة الحديثة بظهور مشاكل ومنغصات بيئية مختلفة، وذلك مما يخل بتوازن ونظافة البيئة من حولنا . ومن المثير حقاً أن نجد أن الحاسب الآلي ( الكمبيوتر ) وهو أحد عناصر نهضتنا الحديثة، يشكل أيضاً أحد تلك المنغصات البيئية . فقد كشف تقرير صدر حديثاً أن نفايات الولايات المتحدة الأمريكية من أجهزة الكمبيرتر المستهلكة ( السكراب ) عادة ما ينتهي بها الحال إلى الصين أو الهند أو باكستان، حيث يقوم مجموعة من العمال الفقراء بحرق وتحطيم والتقاط الأجزاء الإلكترونية للاستفادة من الأجزاء المعدنية الموجودة فيها، معرضين أنفسهم والبيئة المحيطة للسموم.


ويذكر التقرير الذي أعده عدد من جماعات البيئة أن هناك مجموعة من القرى في جنوب شرق الصين تتخصص في فصل أجزاء أجهزة الكمبيرتر المستعملة، بينما يتم إلقاء المتبقي منها على امتداد الحقول والأنهار.


وقد باتت الصين وباكستان والهند مكباً عالمياً لأجهزة الكمبيوتر والنفايات المعلوماتية السامة الأخرى، كما أكد ذلك تجمع دولي للمنظمات المدافعة عن البيئة في سان فرانسيسكو، فهذه النفايات المسماة » النفايات الإلكترونية « تزداد بنسبة 18٪ سنوياً، كما أوضح التجمع الذي يضم تحديداً منظمات " سكوب " الباكستانية و"توكسيك لينكس " الهندية و " غرينبيس " الصين والتحالف حول العناصر الملوثة في سيليكون فالي الأمريكي . وأضاف أن المشكلة التي تطرحها هذه النفايات على صعيد الصحة والبيئة ستتفاقم مع ازدياد عدد أجهزة الكمبيوتر المهملة .


وقد شاهد أعضاء جماعات حماية البيئة زاروا منطقة جويو في الصين الرجال والنساء والأطفال وهم ينزعون الأسلاك من أجهزة الكمبيوتر ثم يقومون بحرقها، الأمر الذي يؤدي إلى انبعاث غازات مسببة للسرطان . ويبلغ متوسط أجر العاملين في ذلك المجال 1. 5 دولار يومياً بينما لا توجد أي إجراءات لحمايتهم ويقوم بعضهم كذلك بحرق اللدائن وألواح الدوائر أو يقومون بصب أنواع من الأحماض على الأجزاء الإلكترونية لفصل الفضة والذهب، بينما يقوم البعض الآخر بتحطيم أنابيب أشعة المهبط د . CRT من شاشات الكمبيوتر والتي تحتوي على مادة الرصاص .


كما واستنكرت المنظمات السابقة الوضع في منطقة غويو في الصين على ضفة نهر ليانجيانغ التي تبعد ٤ ساعات شمال شرق هونغ كونغ، مؤكدة أنها تعاني من تلوث كبير . ويعمل في هذه المنظمة نحو 100 ألف شخص، من الرجال والنساء والأطفال، الذي ينكبون بالمطارق والمقصات الفولاذية على تفكيك أجهزة الكمبيوتر القديمة وشاشاتها . وجاء في التقرير أن هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون إعادة معالجة النفايات المعلوماتية غالباً ما يجهلون المخاطر على الصحة والبيئة التي تتسب فيها أنشطتهم وخصوصاً إضرام النار في الهواء الطلق في القطع المختلفة، والتعامل مع بقية الأجزاء الخطرة . وأكد تجمع المنظمات أن أطناناً من هذه " النفايات الإلكترونية " ترمى في نهر ليانجيانغ وفي الحقول أو في قنوات الري، بحيث بات من الضروري نقل مياه الشرب بالصهاريج . وقال جيم باكيت المتحدث باسم " شبكة بال " العضو في التجمع أن ما يحصل هو مثابة " كابوس العصر المعلوماتي " ، وأضاف " يسمون ذلك إعادة تدوير لكنه في الواقع اسم آخر لعملية دفن نفايات في الحقيقة ".


وتشير نتائج عينات مياه نهر ليانجيانج الذي يمر بتلك المنطقة أنها تحتوي على مواد ملوثة تزيد 109 مرة عن المستويات التي سمحت بها منظمة الصحة العالمية .


وقد أثار التقرير السابق أيضاً سيلاً من الانتقادات، إذ أعلنت مارغريت بروس مديرة البرامج البيئية في مجموعة " سيليكون فالي مانوفاكترينغ غروب " التي تدافع عن صالح قطاع التقنيات المتطورة وتضم بين أعضائها شركات " انتل " و"سيسكو " و"أبل إن " سيليكون فالي لا تريد تسميم الصين . وأضافت مع الأسف أن بقايا التقنيات المتطورة تصل إلى حيث يجب ألا تصل، وأوضح مايكل ويرو وهو متحدث آخر باسم "سيليكون فالي مانوفاكترينغ غروب " أن صناعة التقنيات المتطورة تسعى إلى معرفة الجهة المخولة إصدار القوانين على صعيد النفايات الإلكترونية، هل هي الدول ... الحكومة الفيدرالية؟ من الضروري اتخاذ قرار .


وأوضحت المنظمات أنها تحقق في معلومات تحدثت عن وجود كثير من المواقع المشابهة في باكستان والهند بعضها في كراتشي ( باكستان ) ونيودلهي ( الهند ). واتهمت صناعة التقنيات الأمريكية بالتشجيع على إقامة هذه المكبات عبر دعم قانون يجيز تصدير هذه النفايات المعلوماتية من خلال تصنيفها نفايات قابلة للمعالجة بدلاً من اعتبارها عناصر مسببة للتلوث .


وتجدر الإشارة إلى أن المعاهدة التي تمخضت عن إعلان بازل الذي وضعته الأمم المتحدة في عام 1989م تنص على حظر تصدير المواد السامة، إلا أن الولايات المتحدة لم توقع عليها، وهي تواصل بذلك تصدير مثل تلك المواد إلى دول مثل الصين . وقد أصبحت نفايات الكمبيوتر على وجه خاص مشكلة عويصة خاصة مع التخلص من ملايين الأجهزة سنوياً . وتشير دراسة حديثة إلى أنه تم الاستغناء عن 20 مليون جهاز في الولايات المتحدة عام 1998م ومن الممكن أن يرتفع هذا العدد إلى 500 مليون بحلول عام ٧٠٠٢ م .


هذا ويرى المدافعون عن البيئة أن الوقت الضروري الكافي قد أتيح لصناعة التقنيات المتطورة لتسوية مشكلة النفايات التقنيات التي قدرها في العام 1998م المجلس الوطني للسلامة في أمريكا بسبعة ملايين طن.


وقد عمدت ولايتا كاليفورنيا وماساشوستس إلى حظر حرق ودفن الشاشات التي تعمل بأنابيب أشعة الكاثود . وقد وضع عدد قليل من شركات إنتاج أجهزة الكمبيوتر الشخصي، وكبار تجار التجزئة برامج لإعادة التدوير، إلا أنهم يقترحون أن يتحمل المستهلكون 30 دولاراً لإجراء هذه العملية، وأن يتولى المستهلك بنفسه عملية شحن الأجهزة . ولكن مع غياب نظام لإعادة تدوير الإلكترونيات كما في اليابان وبعض الدول الأوروبية، تقوم مجموعة من التجار الذين يصعب تتبع نشاطهم بالتخلص من تلك النفايات. ويشير التقرير إلى أنه يتم نقل ما بين 50 إلى 80٪ من نفايات الولايات المتحدة من الإلكترونيات - والتي من المفترض أن تمر بعملية إعادة تدوير - إلى خارج البلاد . وعادة ما يتم التخلص منها في جويو أو نيودلهي بالهند أو كراتشي في باكستان، حيث إن الأيدي العاملة هناك رخيصة للغاية. ويشير التقرير إلى تقديرات وكالة حماية البيئة من أن شحن شاشات الكمبيوتر إلى الصين أرخص من إعادة تدويرها في الولايات المتحدة بعشرة أمثال.


وجاء في التقرير أيضاً أن المستهلكين الأمريكيين هم أكبر المستفيدين من الثورة التقنية، إلا أنه من غير العدل أن يدفع الآخرون ثمن المخاطر البيئية . لذا يذكر سميث في البيان الذي قدمه بمناسبة صدور التقرير " بدلاً من التخلص من نفاياتنا الإلكترونية بإلقائها من الباب الخلفي وهو في هذه الحالة تصديرها إلى الدول الفقيرة، لابد من حل تلك المشكلة داخل الولايات المتحدة وبيد الجهات التي أنتجتها ".


 


تكاليف إعادة التدوير


ويأمل واضعو التقدير أن يكون التقرير أداة ضغط على الشركات الأمريكية والنواب الأمريكيين لتحفيز الجهود المحلية لإعادة التدوير، وتقترح بعض الجهات ضرورة إضافة تكاليف التدوير إلى سعر الشراء الأساسي وذلك لتمويل برامج إعادة التدوير . وتبحث بعض الولايات الأمريكية مثل هذه الاقتراحات، منها كاليفورينا حيث قدم نائبان عن الولاية في مجلس الشيوخ مشروع قانون الأسبوع الماضي لفرض رسوم على الإلكترونيات لتمويل عمليات إعادة التدوير . ويذكر ديفيد جونز أحد المسؤولين عن إدارة النفايات في وكالة حماية البيئة إلى أن بعض شركات إعادة التدوير قد اتخذت خطوات للحيلولة دون تصدير نفايات لدفنها في الخارج . وأضاف أنها مسألة وقت قبل أن تنتبه جهات أخرى إلى ما يحدث .


ولاشك أن ارتفاع تصنيع وبيع أشباه الموصلات وبالتالي أجهزة الهاتف المحمول والحاسبات الشخصية والأجهزة الإلكترونية الرقمية، سيؤدي بلاشك إلى زيادة المستهلك منها وتكدس المزيد من النفايات على المدى البعيد . وبالتالي فلابد من وضع حلول جذرية تدعم عمليات إعادة التدوير والإفادة مجدداً من كل الأجزاء المستهلكة وعدم الاعتماد على الأيادي العاملة الرخيصة في إجراء ذلك، وبما يحقق التوازن البيئي المطلوب.


 


 


المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 68