مصائد الأسماك

مصائد الأسماك

تغير المناخ يخلخل أنظمة مصائد الأسماك 

سلوى القبندي

أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO تحذير حول تأثير تغير المناخ على الثروات السمكية وذلك في حلقة دراسية علمية حول تغير المناخ والثروات السمكية البحرية والذي عقدت في روما في المقر الرئيسي وضمت أكثر من 200 خبير ومسئول من صناع السياسات في حول العالم، والذي كان الهدف منها رسم صورة مكتملة لمدى تحديات تغير المناخ على الثروات السمكية البحرية وأنشطة الصيد والتي يعتمد عليها ملايين من السكان كمورد للغذاء والدخل.

فمن المرتقب أن ينتج عن ارتفاع درجات الحرارة وغيرها من التغييرات الناجمة عن تغير المناخ خلل كبير في أرصدة الثروات السمكية وتربية الأحياء المائية الأمر الذي سينعكس باتجاه سلبي ويهدد الأمن الغذائي لبعض الفئات السكانية. فالثروة السمكية تعد واحدة من أهم المصادر الطبيعية التي استغلها الإنسان منذ القدم عن طريق الصيد وتطورت مهنة صيد الأسماك على مر الأزمان تطوراً كبيراً، وتطورت أيضاً وسائل ومعدات الصيد، كما تغيرت مناطق الصيد.

أشد الآثار

تختلف مصايد الأسماك الطليقة أساساً عن غيرها من نظم إنتاج الأغذية في ترابطها واستجاباتها إزاء ظاهرة تغّر المناخ، وبذا أيضاً بالنسبة لنتائجها المتوقعة علي الأمن الغذائي في المحصلة النهائية، وفقا للمنظمة.

وفي تباين عن معظم الحيوانات البرية، تتسم الأنواع الحيوانية المائية المستَهلكة بشرياً بقدرتها على التكيف الحراري، أي بمواءمة درجة حرارة البدن بدرجاتٍ متفاوتة تكيفاً للحرارة البيئية المحيطة. وتؤثر أي تغيرات في درجات حرارة البيئة بقوة على قدرتها الأيضية، ومعدل نموها، ووتيرة إنتاجها، وتكاثرها الموسمي، وسهولة تأثرها من جراء الأمراض والسموم.

تأثيرات تغير المناخ

لقد أصبحت تأثيرات تغير المناخ واضحة وملموسة على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية فلقد تمثلت في العديد من الأمور نذكر منها ما يلي :

- المياه البحرية، حيث أن تفاعلات المناخ وأحداث الطقس الحادة ستزداد تردداً وكثافة- وأكثرها شهرة، أي ظاهرة النينيو وغيرها غني عن التعريف في جنوب المحيط الهادي.

- الاحترار المتواصِل لمحيطات العالم يحتمل استمراره، وإن كان مقروناً باختلافاتٍ جغرافية وبعض التغيرات من عقدٍ إلى آخر، إذ تزداد حدة الدفيئة في المياه السطحية وإن كان غير قاصرة على علي السطح البحري وحده، مع ظـهور علاماتٍ واضحة على الأخص في المحيط الأطلسي على ارتفاع درجات حرارة المياه في الأعماق.

- التغيرات في توزع الأرصدة السمكية كاستجابة لتغيرات المناخ باتت ملحوظة، ويتضمن ذلك تحركاً باتجاه المناطق القطبية للأنواع السمكية في المياه الأدفأ، وانكماش أرصدة الأنواع السمكية التي تعيش في المناطق الباردة.

- التغيرات في ملوحة المحيط ، مع تزايد ملحية الطبقات الأقرب إلى السطح بالمناطق الأكثر تعرضاً للبَخر في معظم محيطات العالم، مقابل تناقص الملوحة بسبب كميات التهطل الأكبر بالمناطق البحرية في خطوط العرض العالية، بالإضافة إلى تَزايُد ظواهر الجريان السطحي للمياه بالمناطق البرية، وذوبان الجليد وغير ذلك من التفاعلات الجوية.

- المحيطات تتزايد حمضيةً، الأمر الذي يترتب عليه نتائج سلبية محتملة على العديد من أنواع الشعاب المرجانية والكائنات الحية الحاملة للكالسيوم.

الآثار على الأمن الغذائي

رغم الاختلافات الإقليمية الكبيرة هذه من المحتمل أن يشهد العالم تغيرات ذات دلالة في إنتاج الثروات السمكية على امتداد البحار والمحيطات. وبالنسبة للمجتمعات المحلية التي تعتمد بشدة على الثروات السمكية، فإن أي تناقص في الإمدادات المحلية أو هبوط نوعية الأسماك المتاحة للغذاء، أو حدوث زيادة في عدم استقرار موارد معيشة سكانها، سوف ينعكس في أسوأ أشكاله علي هيئة مشكلات ذات آثار خطيرة على الأمن الغذائي.

أما مجتمعات صيد الأسماك الواقعة قرب خطوط العرض العليا، وتلك الأشد تعرضاً لنظم تغير المناخ السريعة مثل ظاهرة المجاري التصاعدية من الأعماق أو نظم الشعاب المرجانية، فتقف في مقدمة المتضررين المحتملين للتأثيرات ذات العلاقة بالمناخ. وعلاوة على ذلك، فإن المجتمعات المحلية الواقعة في مناطق الدلتا، والجزر المرجانية والشواطئ الثلجية على السواحل هي الأشد تعرضا على الإطلاق لارتفاع منسوب المحيطات وما يرتبط بذلك من أخطار مثل الفيضانات، وغزو المياه الملحية وتآكل رقعة السواحل.

كذلك فإن البلدان ذات قابليات التكيف الأضعف، حتى إن كانت واقعة في مناطق الخطر المنخفض حسب التصنيفات فتقف في بالصفوف الأولى في مواجهة آثار هذه التغيرات.
وما تلاحظه المنظمة أيضاً أن الآثار المادية والبيولوجية المرتبطة بتغيّر المناخ فيما يخص مصايد الأسماك والمجتمعات المحلية المعتمدة عليها، من تأثيرات مادية وبيولوجية، ستتفاوت بقدر تباين التغيرات ذاتها. فمن المحتمل أن تأتي سلبيةً أو إيجابية، بحسب الظروف المحلية السائدة ومدى الضعف أو القدرة التكيفية للمجتمعات المشمولة بالظاهرة.

قطاع رئيسي في خطر

إن مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية لها دور مهم في توفير الغذاء وزيادة الدخل سواء كان على المستوى المحلي أو العالمي، فنحو 42 مليون شخص يعملون في هذا النشاط كما أن غالبيتهم العظمى من الدول النامية.

كما أن أولئك الذين يعملون في عمليات التجهيز المرتبطة بالقطاع، من تسويق وتصنيع وتوزيع، تتضح مدى أهمية القطاع كسندٍ لمئات الملايين من موارد الدخل وسبل المعيشة.

وتساهم الأغذية المائية بنحو 20 % أو أكثر من كميات البروتين الحيواني، المستحصلة كمتوسط للفرد الواحد لأكثر من 2.8 مليار نسمة على الأكثر من سكان البلدان النامية أيضا.

وفي الوقت ذاته، تصنف الأسماك كأكثر المواد الغذائية المتبَادلة تجارياً، وبذا توفر مورداً رئيسياً في ميزان الصادرات لا سيما في حالة البلدان النامية وعلى الأخص الدول الجزرية الصغرى. وعلي ضوء هذه الحقائق توجه المنظمة اهتمامها على نحوٍ متزايد، إلى دراسة كيفيات التأثير المنتظر لتغير المناخ على أنشطة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

في ابريل الماضي تم انعقاد ورشةً الخبراء لبحث نتائج تغير المناخ على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، أي قبل موعد مؤتمر القمة المعني بالأمن الغذائي والذي عقد في يونيو وذلك لبحث آثار التغيرات المناخية والوقود الحيوي خصيصاً. وقد أصدرت مجموعة الخبراء المجتمعة وثيقة شاملة تنظر في القضايا والأخطار التي تحتوي عليها هذه التطورات، وعرضت على الحكومات وصناع السياسات خطوطاً عاماً بشأن الردود والاستجابات الممكنة للبدء بعمليات التكيف والمواءمة فضلاً عن إلقاء الأضواء على مسؤوليات القطاع قياساً إلى دوره الممكن في الحد من آثار « البصمة الكربونية» الملوثة.

مصائد الأسماك في الكويت

وفي دولة الكويت، لوحظ ارتفاع كبير لمصائد الربيان في عام 1988، وعند دراسة أسباب ذلك، توصل الباحثون إلى أن السبب الرئيسي قد يكون مرتبطاً بغزارة الأمطار في البلاد التي تسير فيها روافد نهري دجلة والفرات، وبالتالي شط العرب، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كمية المياه المتدفقة إلى الخليج العربي في ذلك الموسم، والتي تحمل معها كميات كبيرة من المواد العضوية الأساسية التي تعتبر المكون الأول في السلسلة الغذائية في البيئة البحرية والتي تساعد بعد ذلك في وفرة البلانكتون، بنوعيه النباتي والحيواني. ويشكل ذلك عاملاً مساعداً على بقاء عدد كبير من يرقات الحيوانات البحرية، التي تشكل مصدر الثروة السمكية، على قيد الحياة، ونموها نمواً سليما، يؤدي في النهاية إلى زيادة المخزون.

ويجب أن لا ننسى أن كل تلك العمليات تتم ضمن إطار من التوازن البيئي بين الأنواع المختلفة، والمواد الغذائية المتوفرة لها، وبين الظروف الطبيعية التي تتحكم في عوامل بقائها ونموها نمواً سليماً. 

المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 104