لقاء مع د. فوزية الرويح

لقاء مع د. فوزية الرويح

أستاذ جيولوجيا المياه الجوفية في كلية العلوم

د. فوزية الرويح: تنتج مياها للشرب ونلقيها في البحر!!

رجب أبو الدهب

د. فوزية الرويحضيفتنا هذا العدد أستاذ جيولوجيا المياه في قسم علوم الأرض والبيئة في كلية العلوم بجامعة الكويت.. ومديرة برنامج الماجستير في العلوم البيئية في كلية الدراسات العليا. ورئيسة فريق ترشيد استهلاك المياه التابع لمركز العمل التطوعي.. الأستاذة الدكتورة فوزية محمد الرويح.. التي شغلت العديد من المناصب العلمية والعملية.. بداية من معيدة في قسم الجيولوجيا بجامعة الكويت وصولا لرئاسة قسم علوم الأرض والبيئة خلال الفترة من 1998 حتى 2002. الدكتورة فوزية خلال لقائها مع مجلة «بيئتنا» تحدثت عن مصادر المياه الجوفية في البلاد.. وبينت حقيقة أزمة المياه الجوفية.. وكشفت عن طرق تلوثها خاصة المياه السطحية.. وقدمت مرئياتها العلمية تجاه العديد من القضايا ذات العلاقة بالمياه المعالجة ثلاثيا ورباعيا.. فضلا عن إرشاداتها تجاه المحافظة على المياه الجوفية في الكويت.. وفي اللقاء المزيد من التفاصيل..

* كثر الحديث عن المياه الجوفية في الكويت وما تقدمه من دور كبير في توفير المياه للعديد من الاستخدامات البشرية والزراعية، فنود التعرف على مصادر المياه في الكويت؟

تقع الكويت في نطاق المناطق الجافة، وتتميز بقلة الأمطار وكثرة البخر وارتفاع درجات الحرارة، وليس بها مياه سطحية جارية أو مياه طبيعية، بل تعتمد على مصادر المياه الصناعية، وأهمها تحلية مياه البحر، والتي بدأت في الخمسينيات من القرن الماضي، وعليها تقوم جميع مرافقها سواء كانت للشرب أو الغسيل والطبخ، وقد بدأت عمليات تحلية المياه بنحو مليون جالون امبراطوري في اليوم حتى وصل حاليا نحو 450 مليون جالون امبراطوري، وهذا يدل على زيادة الحاجة للمياه نظراً لزيادة السكان والتوسع العمراني والتطور الاقتصادي وما يتطلبه من خدمات اجتماعية ومنها المستشفيات والمدارس والمشاريع المستقبلية التي تحتاج إلى مزيد من المياه، فكان لزاما على الحكومة أن يكون لديها خطة مستقبلية لتوفير تلك الحاجات من المياه.

والمصدر الثاني للمياه في البلاد هي مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيا، والتي بدأت وزارة الأشغال في استخدامها منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، وحاليا تعتبر مورداً للمياه في كل انحاء العالم، فهي تصلح للزراعات التجميلية والمناطق الحدودية والتبريد والبحيرات الاصطناعية، فضلا عن الشحن الاصطناعي للمياه الجوفية.

* ذكرت أن مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيا أصبحت رافداً من روافد المياه في العالم، فكيف تعتمد عليها دولة الكويت؟

بالفعل أصبحت المياه الثلاثية رافدا وأساسية في العالم، فاستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيا يخفف الضغط على المياه الجوفية في الكويت المصدر الطبيعي الوحيد في البلاد. وسابقا كانت المياه الجوفية تستخدم للخلط مع المياه المقطرة مع محطات التقطير للاستخدامات المنزلية من تنظيف المنازل والزراعة، ومع النمو السكاني وإنتاج مياه ضخمة من المياه المقطرة، وما يصاحبه من إنتاج أكبر من المياه الجوفية لخلطها بها، بدأت الحكومة تحد من توصيل تلك المياه «الصليبية» للمنازل، لأنه لم يعد لدينا خيار آخر إلا التقليل من استخراجها واستخدامها في الزراعة وبعض الاستخدامات المنزلية، وحتى لا يقل منسوبها وتتعرض لمشكلات جيولوجية ومنها تداخل مياه البحر وزيادة نسبة الملوحة بها، وهنا تترك للخلط مع المياه المقطرة، لأنه كلما زاد إنتاج المياه العذبة نحتاج لمزيد من المياه الجوفية لزوم عملية الخلط.

مياه الأمطار في الكويت* تتجه الدولة للتوسع العمراني وإنشاء العديد من المدن الجديدة، فمن وجهة نظرك كيف نوفر لتلك المناطق مصادر مياه؟

نقترح ألا يتم توصيل مياه جوفية «صليبية» للمدن الجديدة، لأنها لدينا مياه جوفية عديدة ولكن ملوحتها محدودة ومنها أم العيش والروضتين، أما بخصوص أم العيش فقد تم تدميرها خلال الاحتلال العراقي للبلاد، وبذا فقدت الكويت نحو 40% من مواردها الطبيعية العذبة، وظل حقل الروضتين يعمل بنصف طاقته وأقل (فقد كان التصميم أن يمنح في الستينيات مليون جالون امبراطوري في اليوم) وذلك للمحافظة عليه كمخزون استراتيجي، ومع الوقت زادت الملوحة بالروضتين نتيجة للسحب المتزايد فضلا عن التلوث الذي طال معظم الآبار الجوفية خلال حرب الخليج الأولى.

* وماذا عن ملوحة المياه الجوفية؟

أكثر المياه التي نستفيد منها هي منطقة الشقايا وأم قدير والصليبية، لأن ملوحة المياه الجوفية تتراوح ما بين 2500 إلى 10 آلاف جزء في المليون، ولدينا مياه جوفية كثيرة ولكن لا نستفيد منها، ونلاحظ أن ما بعد جون الكويت إلى امتداد الشمال والشمال الشرقي تزداد ملوحة المياه الجوفية من 10 آلاف جزء في المليون إلى نحو 200 ألف جزء في المليون، وهي بذلك تصبح غير مستخدمة وتصنف عالميا شديدة الملوحة.

* دكتورة فوزية، كأستاذ في جيولوجيا المياه، هل فعلاً تعاني الكويت من أزمة مياه جوفية؟

إذا قلنا تعاني الكويت من أزمة مياه جوفية فإن ذلك لقلتها وندرتها، فنحن نستخدمها طوال 60 عاما، ونظرا لمحدودية المياه الجوفية العذبة في الروضتين وأم العيش التي دمرت بالكامل أثناء الاحتلال العراقي، وبسبب الإنتاج اليومي الذي يعادل 121 مليون جالون امبراطوري في اليوم في بعض الحقول منذ نحو 50 عاما، فمثلا الصليبية شهدت إنتاج المياه الجوفية منذ الخمسينيات، والشقايا منذ السبعينيات، وأم قدير في بداية الثمانينيات، ومنذ فترة والمياه الجوفية تسحب ولا تعوض نظراً لقلة الأمطار حيث التغذية الطبيعية، وبالتالي مياهنا الجوفية غير متجددة أم متجددة ببطء مما يستلزم الحفاظ عليها، ويأتي ذلك عبر أخذ قياسات دورية منتظمة لكيميائية المياه الجوفية، وقياس مستويات المياه الجوفية مما يعطي فرصا لدراسة ممنهجة عن كمياتها ومستوياتها للحفاظ عليها من التدهور وانخفاض منسوبها مما يتيح كذلك الفرصة لمعالجتها مبكرا.

ري النباتات بالمياه المعالجة* وماذا عن تلوث المياه الجوفية في البلاد؟

بصفة عامة «سطح الأرض» في الكويت بعيدة عن التلوث لوجودها في خزانات عميقة تحت سطح الأرض خاصة تكوين الدمام أما المياه الجوفية الموجودة في مجموعة الكويت فهي الأكثر تعرضا للتلوث خاصة عندما يكون مستوى سطح المياه الجوفية قريبا من السطح في الخزانات المائية غير المحصورة، وتكون المياه الجوفية في مجموعة الكويت أكثر قابلية للتلوث في المناطق الصناعية مثل أم الهيمان والشعيبة، فضلا عن مناطق الدفان والمرادم لأن الدفان لا يتم وفق طرق علمية سليمة وصحيحة والتي تتطلب أن تكون منطقة الدفان القريبة من المياه الجوفية ليست في اتجاهها ويكون مستوى المياه الجوفية منخفضا نسبيا عن الدفان والحفرة مبطنة ببلاستيك لمنع التسربات إلى المياه الجوفية، ولأننا في الكويت ليس لدينا أمطار تحلل المواد وتساعد على ذوبانها ونقلها للمياه الجوفية الأمر الذي يلوثها، أما عن تلوث المياه السطحية فلا توجد في الكويت مياه مثل الأنهار أو البحيرات ولكن بها الخليج وهو أكبر سطح مائي تطل عليه دول الخليج ويستخدم للتحلية، ومن هنا وجب المحافظة عليه من التلوث، ومن أبرز مصادر التلوث زيوت البواخر ومياه الصرف الصحي الزائدة التي تصب في البحر فضلا عن النفط ومخلفات المصانع ومخلفات محطات التقطير، لذا استلزم الأمر المحافظة على المصدر الوحيد للمياه من التلوث وسن التشريعات والقوانين بالإضافة إلى توعية الناس.

* وهل من وجهة نظرك التوعية تكون مفيدة في هذا المجال الذي يتطلب تدخلات علمية وتخصصية أكثر؟

نستطيع أن نعمل توعية مستمرة للناس والجمهور عن أهمية المياه ومصادرها وندرتها وشحها، وهي آيلة للنضوب أو التلوث، فيعمل كل منا ويبذل طاقته للحفاظ عليها وعدم الإفراط في استعمالها، فضلا عن ترشيد الاستهلاك وعدم غسل الأفنية والأحوشة يوميا لأن الدولة تنفق عليها من إيرادات النفط، فنحو 30% من الإنتاج القومي للبترول يذهب في تصنيع المياه، وكأننا نهدر أموالنا بالشوارع على يد البعض، وهدر تلك الثروة القومية يأتي لقلة الوعي وعدم الاكتراث، وهنا يقع الدور الكبير على رب الأسرة وأهل البيت، من خلال توعية الخدم ومراقبتهم للحفاظ على المياه من الإسراف والاستهلاك الزائد، فعلينا توعيتهم بعدم غسل الأحوشة والأفنية يوميا فضلا عن استخذام )السطل/ التب( بدلا من الهوز أو الخرطوم.

* دكتورة فوزية، نود إلقاء الضوء على مياه الصرف الصحي المعالجة رباعيا ومدى استخدامها في الكويت؟

ننتج مياه صرف صحي رباعية عالية الجودة، وهي تضاهي مياه الشرب العالمية وتصلح لتناولها آدميا، ولكن لا نستخدمها لوجود الحاجز النفسي لأصل المصدر، ولعدم الحاجة الحالية نظرا لتوفير مياه التقطير، كما أن المزارعين لا يستفيدون من هذه المياه عالية النقاوة، وأقصد المياه المعالجة رباعيا، لأنهم يحتاجون مياها بها بعض المغذيات التي تحتاجها النباتات، بمعنى أننا ننتج مياها لا نستفيد منها عمليا، فجزء منها يستخدم في الزراعة بالمزارع الخاصة في العبدلي والوفرة، ولكن المزارعين لا يقبلون عليها بكثرة كما ذكرت لعدم وجود مغذيات طبيعية بها، وهنا يلقى باقي الإنتاج في البحر.

* إن جاز لنا أن نقدم المياه الجوفية في الكويت كقصة للصغار وللشباب كنوع من أنواع التوعية، فكيف يمكننا تقديمها لهم؟

مصادر المياه الطبيعية في دولة الكويت محدودة في المياه الجوفية فقط، والأمطار قليلة لا يعتد بها.

- المياه الجوفية عذبة في منطقة الروضتين وأم العيش، وهي محدودة كما ونوعا.

- المياه الجوفية قليلة الملوحة، والقابلة للاستخدام في الخلط مع مياه التحلية، والزراعة والاستخدام المنزلي، هي محدودة كذلك في مناطق الصليبية والشقايا وأم العيش، وتعاني المياه من الإنتاج وتدهور نوعيتها الكيميائية.

- مياه جوفية عالية الملوحة، وهي تمتد من جون الكويت إلى الشمال والشمال الشرقي، وهي غير صالحة لأي استخدام لأن ملوحتها تتعدى 200 ألف جزء في المليون.

- المصادر الصناعية: هي تحلية مياه البحر واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيا، ونصنع مياه صرف صحي معالجة رباعيا عالية النقاوة والجودة ولكن استخدامها محدود جدا وذلك للحاجز النفسي من قبل السكان لمصدرها، ولأنها خالية من كمية المغذيات فلا تصلح للزراعة وبالتالي هناك إعراض عنها. وأقترح في هذا المجال، أن يتم تزويد المدن الحدودية والسكنية الجديدة بمياه معالجة رباعيا للاستخدامات المنزلية البسيطة، ونحتفظ بالمياه الجوفية قليلة الملوحة الناضبة للخلط مع المياه المقطرة التي لا نستغني عنها.

* ماذا عن تأثير استخدامات المياه الجوفية على البيئة؟

لقد تم تدمير بعض المزارع في الوفرة نظرا لسوء استخدام المياه واستخراج المياه الجوفية، وذلك لعدم وجود تشريعات قانونية ولوائح منظمة، حيث إن دولة الكويت قد سمحت للمزارعين باستخراج المياه الجوفية من الخزان المائي لمجموعة الكويت، وبعضهم نتيجة لقلة المياه المتوفرة وتدهور نوعيتها الكيميائية حفر في تكوين الدمام والذي يقع على عمق وضغط عال مما أدى إلى خروج المياه الجوفية كالنوفورات ومن ثم غرقت المزارع كلها ودمرت المزروعات، وتكونت نوع من المستنقعات المائية لأكثر من عدة سنوات، مما أدى إلى تكاثر الحشرات والبكتيريا بها، وهذا تعد على البيئة الطبيعية بسبب سوء استخدام المياه الجوفية ولعدم وجود لوائح وتشريعات تنظم عدد الآبار المتوجب حفرها، وكمية استخراج المياه، لأن المياه الجوفية ثروة ملك الدولة وليس الأفراد، لذا أرى أهمية الإسراع في سن مثل تلك القوانين والنظم المائية وتوزيعها على المزارعين مع إلزام الوزارات والجهات المسؤولة عن المياه، مثل وزارة الكهرباء والماء والأشغال وهيئة الزراعة بهذه التشريعات التي تحدد عدد الآبار التي يجب حفرها في مساحة محدودة فضلا عن كمية المياه المستخرجة، وحلا لمثل تلك المشكلات فقد تم ردم نحو 600 بئر بالتعاون بين الجهات المعنية حفاظا على الثروة الطبيعية من المياه الجوفية.

المصدر: مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 152