التنقيب عن الذهب

التنقيب عن الذهب

هل تصدق: صناعة خاتم زفاف ينجم عنها 20 طناً من النفايات؟!

التنقيب عن الذهب.. الصناعة الأكثر تدميرا للبيئة في العالم

سلوى القبندي

لايزال الذهب ومنذ زمن طويل رمزاً للثراء والجمال والحب، في وقت بلغت فيه اسعار الذهب.. هذا المعدن النفيس الذي يثير جنون البعض، إلى مستوى لم يصل إليه على مدى الـ17 عاما. لكن منتقدي صناعة التنقيب عن الذهب يصفونها بأنها واحدة من أقذر الصناعات في العالم: يُقال إنها تشعل الصراعات وتتسبب في انتهاك حقوق الإنسان، تدمر المجتمعات، وتخرّب البيئة.

رغم ذلك، يقول البعض، مثل المجلس العالمي للذهب، القيمة الاقتصادية والاجتماعية للتنقيب عن الذهب بالنسبة للدول النامية حاسمة الأهمية، لكن يتم إغفال ذلك في أحيان كثيرة. لذلك، من هو الصائب؟ هل يكلف الذهب كوكبنا وساكنيه أكثر بكثير من قيمة هذا المعدن – أم أن قيمته تساوي وزنه؟ وهل للمستهلكين الحق – وعليهم المسئولية- في معرفة المصدر الذي يأتي منه ذهبهم؟

تعتبر صناعة الذهب من أقذر الصناعات في العالم، حيث تعتبر صناعة التنقيب عن الذهب مثلها مثل معظم الصناعات الاستخراجية تأتي وبرفقتها مجموعة من القضايا الاجتماعية، لكن الكثير يعتقدون أن الأقوال العامة حول هذه الصناعة مضللة. كما أن وجهات النظر التي تُطرح تفشل في التعامل مع بعض الأعمال التي تهتم بعدد من القضايا التي تتم إثارتها. إن التنقيب عن الذهب، يكاد يكون الصناعة الأكثر تدميراً للبيئة والحياة في العالم؛ حيث إن صناعة خاتم زفاف لا يتجاوز وزنه 10 جم ينجم عنها قرابة 20 طناً من نفايات المناجم!

المخاوف البيئية المتعلقة بصناعة التنقيب

مناجم الذهب في الكونغوإن الاثر البيئي الذي ينتج عن التنقيب سلبي للغاية، فالتنقيب شاط قذر بسبب المواد الكيميائية السامة المستخدمة في استخراج الذهب من العروق الصخرية. يُستخدم السيانيد في استخراج الذهب من الصخور، وقد رأينا الكثير من حالات التلوث للمصادر المحلية للمياه أو الأراضي الزراعية نتيجة لإراقة السيانيد أو فشل الخزانات التي تحبس المخلفات الناتجة من معالجة عروق الصخور.

على سبيل المثال في جنوب أفريقيا هناك العديد من مناجم الذهب حيث تتم تنقية الذهب إلى قضبان من الذهب وبمجرد صهرها وتحويله إلى قضيب من المستحيل معرفة المكان الذي أتى منه ذلك القضيب.

أوقية ذهب

على سبيل المثال، للحصول على أوقية من الذهب يجري استخراج 30 طنا من الصخور ويتم رشها بسائل السيانيد المخفف الذي يفصل الذهب عن الصخور. وفي المناجم الكبيرة تتم إزالة نصف مليون طن من الصخور يوميا وتوضع في صورة أكوام ضخمة تصل أحيانا إلى حجم الاهرامات الكبرى ويرش التراب المعدني بمحلول سام على مدى سنوات. إن ثلثي الذهب الموجود في العالم يتم استخراجه من مناجم مفتوحة وضخمة جداً لدرجة أنه يمكن رؤيتها من الفضاء الخارجي؛ حيث تعتبر هذه المناجم بمثابة كارثة بيئية، نظراً لما تتسبب به من تلويث للهواء والتربة والمياه، ولما تخلِّفه وراءها من كميات كبيرة من النفايات، التي يصل ارتفاع بعضها إلى ارتفاع بناية مكونة من 30 طابقاً، والتي ترشح منها المعادن السامة والأحماض. لقد جعلت نفايات المناجم نسبة الحموضة في المياه الجوفية أعلى بآلاف المرات من نسبتها في البطاريات.

مواد سامة

كما تستخدم في صناعة الذهب مواد سامة كثيرة من بينها حمض الكبريت، القادر على تلويث البيئة والمياه الجوفية لعدة قرون. وهناك أيضاً السيانيد، الذي يُستخدم لاستخلاص الذهب من الرِّكاز، والذي يُصنَّف على أنه مادة شديدة السمية على البشر والحيوانات- حيث إن جرعة واحدة منه بحجم حبة الأرز كافية لأن تودي بحياة شخص. إلى جانب الزئبق الغني عن التعريف.

دمار وتلوث

بشكل عام يؤدي حفر المناجم على نطاق واسع إلى الدمار والتلوث وتشوه المنظر الطبيعي العام. لكن في العديد من الدول النامية لا يتم تغريم الشركات المسؤولة عن ذلك، من أجل التخفيف من آثار هذا التلوث، علماً أنها تبني ثروات ضخمة عبر هذا التدمير المنظم. فالمكاسب تذهب جميعها للمستثمرين الأجانب والحكومات المركزية، وليس لأفراد المجتمع، الذين يعتبرون المتضررين الحقيقيين من هذه المناجم- من خلال تلوث البيئة التي يعيشون فيها، وخسارة مساحات واسعة من أراضيهم التي كانوا يستثمرونها زراعياً لتأمين لقمة العيش، وتردي الوضع الصحي العام.

حقوق الإنسان

إلى جانب ذلك ارتبط التنقيب عن الذهب أيضاً بانتهاكات حقوق الإنسان والتهجير الإجباري للسكان. وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أنه بين عامي 1995 و2015 قرابة نصف الذهب الموجود في العالم- سواء الذي تم استخراجه أو الذي سيتم استخراجه- هو من أراضٍ تم انتزاعها بطريقة أو بأخرى من أصحابها الحقيقيين. أما المناجم الصغيرة فلها مشاكلها الخاصة، والتي ليس أقلها التلوث بالزئبق وتشغيل الأطفال في أعمال التنقيب، وهو ما تصنِّفه منظمة العمل الدولية على أنه أحد «أسوأ أشكال عمالة الأطفال».

في كثير من الأحيان تضطر مجتمعات بأكملها إلى النزوح من أراضيها لإفساح المجال للتنقيب، وهنا أيضا في هندوراس حيث جُرفت قرية بالو رالو بأكملها لإقامة المنجم. في بعض الأحيان تنزح مجتمعات كاملة بدون رضائها أو بدون تعويضات كافية. إن الدول النامية الغنية بالموارد الطبيعية مثل الذهب، هي الأفقر في العالم في بعض الأحيان.

الفوائد الاقتصادية

هل من الممكن امتلاك مورد طبيعي وتحويل هذا المورد إلى هبة للبلد؟ ويمكن لصناعة التنقيب عن الذهب وبالتأكيد التنقيب عن المعادن الأخرى أن تلعب دوراً رئيسياً يساعد في توفير دخل للحكومات من إيجار الأرض وضريبة الدخل، نقل التكنولوجيا وتدريب وإعداد عمالة ماهرة. أحياناً عندما يكون الاستثمار في صناعة التنقيب كبيراً، تصبح هذه الصناعة قاعدة لتطورات كبيرة في البنية التحتية، الطرق، مشروعات المياه والنقل. وهذه بالطبع عناصر أساسية للاقتصاد.

في الحقيقة أن من بين الأمور الحيوية توفير المعلومات الكافية للمجتمعات المحلية حتى تستطيع تقييم تكلفة المناجم وفوائدها بأنفسها. في الكونغو هناك برنامج تنقيب في المنطقة قامت الحكومة الكنغولية بنشر تفاصيل العقد حتى يتمكن الناس الذين يعيشون بالقرب من المنجم من معرفة الجهة التي تذهب إليها الأموال ومحاسبة حكومتهم والوقوف على المسئوليات التي يجب أن تتحملها الشركة وتلك التي يجب أن تتحملها حكومتهم.

سيانيد وزرنيخ

في هندوراس يعلمون أن مصادر المياه التي يستخدمها الفقراء الذين يعيشون بجوار منجم «سان مارتن» في واد سيريا، ظل ملوثاً بالسيانيد والزرنيخ. تستخدم كميات كبيرة من السيانيد لاستخراج الذهب من الصخر ويبدو أنه لا توجد ضوابط كافية من قبل الشركة حتى لا يتسرب السيانيد إلى مصادر المياه. هذه المياه هي التي يعتمد عليها الفقراء في شربهم، غسيلهم وزراعتهم. ولذلك يمكن أن يلحق ضررا كبيرا بحياة بعض أفقر الناس داخل هندوراس».

ويعتقد أصحاب المناجم بأن استخدام السيانيد في هذه المرحلة من الناحية التقنية هي الأكثر فعالية، ولكن يكثر الحديث كثيرا حول استخدام السيانيد بسبب أنه مادة سامة ولذلك بذلت جهود ضخمة فيما يسمى ميثاق الشرف الدولي لإدارة السيانيد الذي يرشد إلى الاستخدام الجيد في إدارة السيانيد.

سن القوانين

غزو الأراضي في الأمازون من قبل مناجم الذهبدائماً تخرج شركات التنقيب من هذا التدمير الذي تلحقه بالبيئة دون محاسبة، بسبب عدم وجود قوانين تكفل ذلك. وإذا لم تحدث تغييرات، فإن المزيد من الغابات النائية سوف يختفي، كما أن المزيد من الناس سيتم ترحيلهم من أراضيهم.

نفايات نووية

يجهل الكثيرون أن غالبية الذهب المتبقي في المناجم باتت كمياته ضئيلة، علاوة على ان عمليات استخراجه من الاراض تجري بتكلفة بيئية باهظة في أكثر أجزاء العالم فقرا. وعلى العكس من جنون الذهب في الماضي، ابتداء من زمن الفراعنة حتى موجة التدفق على كاليفورنيا بحثا عن الذهب عام 1849، فإن الوقع ببريق الذهب في عصرنا الراهن لا علاقة له بالاقتصاد او العملات، وإنما يرتبط ارتباطا وثيقا بالطلب المتزايد على المجوهرات والحلي التي تستهلك ما يقدر بـ 80%، وربما أكثر من الذهب المستخرج من المناجم في الوقت الراهن ما أسفر عن عاصفة من الانتقادات من جانب مجموعات تعنى بحماية البيئة والسكان الذين يعيشون في مناطق بالقرب من مناجم الذهب.

إن مناجم الذهب في الغرب الأمريكي وأمريكا الجنوبية وإفريقيا وأوروبا أصبحت أقرب إلى مكبات النفايات النووية التي تتطلب مراقبة دائمة، إن عمليات التعدين في مناطق الصخور الصلبة تفرز حجما من النفايات أكبر من النفايات التي تخلفها أي صناعة أخرى في الولايات المتحدة، حيث قدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية تكاليف تنظيف مناجم المعادن العام فقط بحوالي 54 مليار دولار، وقد صدر تقرير من مكتب المحاسبة العامة الحكومي انتقد وكالة حماية البيئة في أن هناك ثغرات قانونية وضعفا في الإشراف الفيدرالي تسببا في مضاعفة النفقات وزيادة فرص إفلات شركات التعدين من دفع نفقات التنظيف وتحميل هذا العبء لدافعي الضرائب.

شركات التعدين

جدير بالذكر ان نسبة تقدر بحوالي 70 بالمائة من الذهب يستخرج حاليا من دول نامية مثل غواتيمالا وغانا. ويرى عمال المناجم والجهات التي توجه انتقادات باستمرار إلى شركات التعدين ان المعركة الحقيقية على مستقبل الذهب قد انطلقت، فشركات التعدين تقول انها توفر العمل وتطبق قواعد صارمة فيما يتعلق بالمحافظة على البيئة مع تجريب تكنولوجيا متطورة في مجالات جديدة. وبمساعدة البنك الدولي فتحت هذه الشركات مناجم ضخمة تعد بمستقبل انتاج جيد ووافقت الحكومات على هذا الاستثمار. إلا ان المجموعات المعنية بحماية البيئة تقول ان هذه الشركات تمارس نشاط التعدين على نحو لا يمكن تحمله في الدول الثرية مثل رمي أطنان من النفايات في الأنهار والخلجان والمحيطات.

مظاهرات السكان

ويقول السكان الذين يعيشون بالقرب من مناطق المناجم انهم لا يرون فوائد تذكر من المناجم ويتحملون جزءا كبيرا من عبئها. ففي غواتيمالا والبيرو نظم السكان مظاهرات احتجاج لإغلاق المناجم في مناطقهم، فيما رفع السكان في مناطق اخرى دعاوى قضائية ضد شركات التعدين. اذ رفعت محافظة فلبينية دعوى قضائية ضد خامس اكبر شركة تعدين عن الذهب عالميا، «بليسر دوم»، بتهمة تلويث نهر وخليج صغير ومساحات من الشعاب المرجانية بفعل رمي كميات من نفايات التعدين تكفي لملء قافلة من الشاحنات يمكن ان تحيط بالأرض ثلاث مرات. إلا ان مسؤولين في شركة «بليسر دون»، التي تدير ثلاثة مناجم ذهب رئيسية في نيفادا، ردوا على هذه النقطة بقولهم ان الشركة أنفقت مسبقا 70 مليون دولار لمعالجة المشاكل الناجمة و1.5 مليون دولار تعويضات.

عمليات استخراج

تقام عمليات ضخمة لاستخراج الذهب في منجم ياناكوتشا الواسع في شمال بيرو، وفي منطقة مراع وحقول تم حفر تلك الهضاب الخضراء وتحويلها إلى اللون البني وكأنها شبيهة بالغرب الاميركي. والجبال عادة يتم تفجيرها ثم توضع القطع الصخرية المتكسرة في زقورات من خامات. وهذه الجبال المصنوعة من قبل الإنسان يتم سقيها بأنابيب من سائل السيانيد ولمدة سنوات، وهذا المحلول يذيب الذهب بحيث يصبح ممكنا فصله وتذويبه. وفي مواقع مثل ياناوكوتشا يتم الحصول على 30 جم من الذهب من خامات وزنها 30 طنا. لكن للحصول على الخامة يجب إزالة أطنان كثيرة من الأرض ثم تركها يبابا بعد ذلك. كذلك في بعض مناجم نيفادا في الولايات المتحدة يكون من الضروري البحث في 100 طن من التربة للحصول على 30 جم من الذهب.

إن السيانيد هو ليس الخيار الوحيد، لكنه يعتبر أكثر المواد فعالية لاستخراج القطع الميكروسكوبية «للذهب غير المرئي» وحجم الفائدة ضئيلة، حيث أنه أصبح أكثر ندرة على الأرض لاستخراجه بطرق أخرى. لكن وفق هذه الطريقة، تتحول تلك الصخور المكشوفة للمطر والهواء لأول مرة هي مصدر لإنتاج قنبلة زمنية بيئية. فمادة الكبريتيد في الصخور تتفاعل مع الأكسجين وهذا ما يصنع حامض الكبريت. وهذا الحامض يلوث ويطلق معادن ثقيلة مثل الكاديوم والرصاص والزئبق والتي تلحق الأذى بالناس والسمك بل حتى مع تركيز ضئيل يستمر التفاعل لعدة قرون. لكن الكثير من المسؤولين في هذه الصناعة يتقاعسون من ترديد كلمة التلوث محتجين من ألا يتركوا وراءهم شيئا سوى صخور. والشركات التي تدير مناجمها بشكل أفضل تغطي أكداس الصخور بالتراب ثم يستخدم الكلس لمنع تشكل حامض الكبريتيك.

المصدر: مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 155