مدير إدارة موارد الغذاء والعلوم البحرية بمعهد الأبحاث
د. سميرة السيد عمر : الغطاء النباتي في الكويتي يعاني من اختفاء وقلة أعداد نباتات العرفج والعوسج والرمث
ريهام محمد
( بيئتنا ) خاص
أكدت مديرة إدارة موارد الغذاء والعلوم البحرية في معهد الكويت للأبحاث العلمية الدكتورة سميرة أحمد السيد عمر على أن الغطاء النباتي في الكويت يقع تحت ضغوط هائلة تؤدي إلى استنزافه بشكل مخيف، وأشارت إلى أن غياب الرقابة الصارمة والقوانين الفاعلة المواكبة لمجريات وتطورات العصر التي تنظم التعامل مع الثروة النباتية يؤدي إلى تفاقم المشكلات والأعراض المرضية التي يعاني منها الغطاء النباتي في الكويت، لكنها وفي الوقت ذاته بينت أن الغطاء النباتي في أي بقعة ومنطقة يمكن أن يعود إلى طبيعته الإيجابية بمساعدة الإنسان فضلاً عن تعزيزات عوامل طبيعية أخرى ضرورية، يأتي في مقدمتها سقوط الأمطار.
وأضافت في حوار خاص مع «بيئتنا» أن حماية بعض الاراضي الصحراوية التي تحوي نباتات من قبل بعض الجهات المعنية لايكفي، خاصة الأراضي الصحراوية المتضررة عسكرياً وإنما يجب إعادة تأهيل الأراضي المتضررة من خلال زراعتها ومنحها فرصة كي تتطور طبيعياً بمنع الرعي الجائر من قبل البعض في مواسم نمو النباتات حتى تحصل البذور التي تنتقل عبر حركتي الرياح والمياه على فرصة للنمو والظهور من دون التعرض لأي عوامل مثبطة.. وهنا نص حوارنا معها.
* صدر عن ادارتكم كتاب من تأليفك وبمشاركة عدد من الباحثين في معهد الكويت للأبحاث العلمية حصل على جائزة من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وهو عن الغطاء النباتي في الكويت وهو يعد حالياً المرجع الشامل والوحيد لأشهر وأهم النباتات في الكويت، فكيف تقيمين واقع الغطاء النباتي في الكويت بعد سنوات من نشر أهم مرجع لنباتاته؟
استغرق انجاز كتاب «الغطاء النباتي في الكويت» أكثر من 25 سنة من العمل الدؤوب لتقييم وتحليل ومعرفة الانواع والمجموعات النباتية التي تعيش في بيئتنا الصحراوية وما لها من دور في تثبيت المياه وتقليل مشاكل «الطوز»، وكل المؤشرات والنتائج التي توصلنا اليها بعد هذا البحث الطويل تؤكد أن الغطاء النباتي في الكويت يعاني من ضغوطات هائلة تستنزف موارده بشكل مخيف، لذا طالبنا بعمل محميات طبيعية بالتنسيق والتخطيط مع العديد من الجهات المعنية في الدولة، وقمنا بالفعل بإنشاء محمية صباح الأحمد وهي أول مشروع يقوم به معهد الكويت للأبحاث العلمية في هذا الجانب، كما قمنا بإنشاء محطة للأبحاث الزراعية في كبد للمحافظة على الغطاء النباتي، وعلى مدى سنوات من العمل في هذا الإطار اكتسب الباحثون والعاملون في إدارتنا خبرة طويلة في البيئة الزراعية والصحراوية والزراعة والأساليب العلمية المعروفة عالمياً لتطويرها وتنميتها، بالإضافة الى الاطلاع المتواصل على آخر وأهم المستجدات العلمية المحلية والعالمية التي تتناول تطوير الثروة النباتية والتقنيات المعروفة والمتبعة في الكثير من المناطق الصحراوية في العالم خاصة أستراليا، كما يوجد لدينا جهاز كامل في دائرة الزراعة في المناطق القاحلة يعمل على دراسة وبحث كافة السبل والإمكانيات والتقنيات التي يمكن من خلالها تطوير وتحسين الغطاء النباتي في البيئة الصحراوية، وهذا ما يجعلنا قادرين ومتمكنين من إعادة تأهيل وزراعة المناطق المتضررة، أياً كان حجم الضرر فيها.
وفي الوقت الحالي لدينا مشاريع قائمة في مناطق عدة، منها على سبيل المثال ما يتبع شركة نفط الكويت KOC، حيث نعيد تأهيل بعض الأراضي الصحراوية المتضررة من الآثار النفطية ونقوم بزراعتها بنباتات صحراوية.
* وماهي العوامل التي تزيد من حدة وشدة الضغط على الغطاء النباتي في الكويت؟ وكيف يمكن التخفيف منها؟
من أهم وأبرز العوامل التي تشكل ضغطاً على الغطاء النباتي في الكويت غياب الوعي لدى العديد من الناس بضرورة التعامل بشكل منضبط مع البيئة النباتية وعدم اتلافها واستنزافها بالرعي الجائر أو الممارسات الخاطئة، ومنها استخدام البجي والدراجات النارية الصحراوية وغيرها من الوسائل التي تضر بالغطاء النباتي، وفي المقابل هناك عامل آخر يتعلق بضرورة سن قوانين صارمة وفاعلة يتم مراقبة تنفيذها، بشكل مستمر من قبل الجهات المعنية لحماية البيئة البرية والنباتية بالاضافة إلى قرارات وإجراءات يجب أن تتخذ من قبل جهات معينة مثل الهيئة العامة للبيئة والهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية وبلدية الكويت، وذلك لتنظيم النشاط البشري في البيئة الصحراوية وتوعية البشر بكيفية وأهمية المحافظة على الثروة النباتية التي نمتلكها.
ومن الضروري أيضاً أن نستفيد من التعويضات البيئية لإعادة تأهيل المناطق الصحراوية التي تضررت من الحروب والاحتلال العراقي الغاشم على دولة الكويت، وعملية التأهيل لهذه المناطق تتم من خلال زراعتها بنباتات صحراوية محلية للمحافظة على جيناتنا وأنواعنا النباتية، حيث يعتبر ذلك واجباً وطنياً ومسؤولية أكدنا التزامنا بها في الاتفاقيات البيئية الدولية، وهناك أبحاث قام بها قسم البيوتكنولوجي التابع لإدارتنا تناولت تكاثر النباتات باستخدام تقنية الزراعة النسيجية لبعض النباتات الصحراوية تحديداً ونتائجها طبية وهي أسرع من الطرق التقليدية بكثير، ويمكن من خلالها إنتاج نباتات صحراوية بشكل مكثف وسريع.
* دكتورة سميرة، ماذا عن الأسباب الرئيسية التي أدت الى تدهور الغطاء النباتي في صحراء الكويت؟
الأسباب التي أدت الى تدهور الغطاء النباتي في الكويت معروفة، أهمها زيادة رعي الماشية )الرعي الجائر(، واستئصال واقتلاع الشجيرات المتخشبة من جذورها، والتوجه للنزهة ونصب الخيام في الصحراء، وجمع الصلبوخ، وصيد الحيوانات وغيرها من العوامل البشرية، بالإضافة إلى سنوات الجفاف التي يقل فيها معدل سقوط الأمطار عن المتوسط السنوي، ويعتبر ضعف اجراءات تنظيم المراعي وحماية الحياة الفطرية من الأسباب الاضافية للدمار الذي لحق بمكونات الحياة النباتية والحيوانية في الصحراء، ويضاف الى ذلك كله ماسببه الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت وحرب تحرير الكويت في التسعينات من مشكلات حيث شكلت ضغوطاً اضافية على الحياة النباتية والحيوانية في الصحراء، وقد أصبحت المراعي ضعيفة الانتاجية، فقيرة بأنواع الكائنات الحية، كما حدثت تغيرات في أنماط التقاليد الاجتماعية في البادية، حيث أصبحت مهنة الرعي ذات طابع تجاري يهدف إلى الربح المادي أكثر من كونه مصدراً هاماً من مصادر المعيشة اللازمة للبدو والرعاة، كما أن توزيع الأعلاف المدعومة إلى جانب توافر وسائل النقل الحديثة إلى أعماق الصحراء قد أثر ذلك على التنقل التقليدي للماشية الذي كان أقل تدميراً للبيئة، كما أن اقتلاع النباتات الدائمة، للوقود والعلف وزيادة أعداد الماشية عن الحمولة الرعوية يعد نوعاً من الممارسات التي أضافت المزيد من الضغوط على الارض، فأدى هذا بدوره إلى تقليل تنوع الأحياء في البيئة البرية. ومن الجدير ذكره أيضاً ان المناطق النائية في الصحراء أصبحت سهلة المنال، ويمكن الوصول إليها لاستخدامها في إقامة المخيمات والنزهة، وإقامة المخيمات يعد جزءاً من النشاط الاجتماعي للكويتيين الذين يتجهون إلى المناطق النائية لمدة 6 أشهر، مابين )نوفمبر إلى ابريل( أو أكثر من كل عام، بالإضافة إلى أعمال البحث عن الرمال والحصى في مناطق شمال غرب، وجنوب شرق الكويت. ومن الآثار السيئة جداً على طبوغرافية الصحراء إزالة الطبقة العليا من التربة التي تؤدي إلى التعرية، مما يزيد من تفاقم حالة الصحراء التي هي بالأساس هشة، ويضاف إلى العوامل والأسباب السابقة وجود الطرق غير المعبدة في الصحراء التي تغطي مساحات كبيرة من الأرض. وتكون أشبه بالمتاهة التي تستخدمها المركبات وتؤدي إلى تعرية التربة وانضغاطها وبالتالي التسريع من عملية تآكل وتعرية الارض وزيادة رقعة تصحرها.
وماهي أبرز وأهم الملاحظات التي رصدتموها خلال دراستكم للغطاء النباتي في الكويت تحديداً للفترة التي تلت الغزو العراقي الغاشم على الكويت؟
أهم الملاحظات التي رصدناها أن صحراء الكويت واجهت منذ التحرير عام 1991 العديد من التبدلات في مميزاتها الطبيعية، عندما تسرب اليها البترول نتيجة للحرق المتعمد لآبار النفط، يضاف إلى ذلك النشاطات العسكرية، كحفر الخنادق وتفجير الألغام والذخائر، فكلها بدلت الطبوغرافيا العامة ومنظر الصحراء وصفات التربة، وبالتالي تأثرت النباتات بشكل مباشر جراء تسرب النفط وتدفقه بسبب العمليات العسكرية، حيث غير التلوث )سخام النفط- البترول المتسرب والرذاذ النفطي( في هيكل النباتات، وفي تركيبها الكيميائي، وقد تنوعت هذه التغيرات بحسب مواقع النباتات فأقل المناطق تأثرا هي المناطق التي كانت بعيدة عن تسرب البترول وعن ضبابه، ويجب منع الماشية من الرعي في مناطق تأثرت بالرذاذ النفطي، أو في منطقة البحيرات النفطية التي تحتوي جوانبها الرملية نباتات بها تراكيز كبيرة من المعادن الثقيلة والهيدروكربونات. وعلى الرغم من كل ذلك فمن المثير للدهشة رؤية صحراء الكويت في بعض المناطق تزدهر بغطاء نباتي ملون خلال فصل الشتاء، خصوصاً مع هطول الأمطار.
* وكم يبلغ عدد النباتات التي رصدتموها في صحراء الكويت؟
هناك نحو 374 نوعاً نباتياً رصدناها في صحراء الكويت وهذه النباتات تتبع 55 عائلة معروفة في الكويت الغالبية منها حولية حوالي 256 و83 عشبة دائمة و34 شجيرات وتحت الشجيرات، مع نوع واحد من الشجر المحلي يعرف باسم الطلح.
هناك أيضاً أشجار تأقلمت مع البيئة الصحراوية الكويتية مثل أشجار السدر، هذا بالإضافة إلى بعض النباتات النادرة التي تزدهر إذا ما توافرت لها العوامل الملائمة كالقريص والحزاء وعين القط وسمسة البر والقصبان، وهي توجد في بيئات خاصة مثل الجزر )فيلكا وبوبيان( وفي المنخفضات كوادي أم الرمم ووادي الباطن.
* وما أهم المشكلات التي واجهتكم في دراستكم ورصدكم للغطاء النباتي في الكويت؟
لقد واجهنا خلال قيامنا برصد الغطاء النباتي في البيئة الصحراوية الكويتية العديد من المشكلات والعقبات أهمها عدم وجود بيانات رصد ومراقبة كافية للغطاء النباتي في الكويت من قبل الجهات المعنية والمختصة بذلك، وخاصة للفترة التي تلت تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم عليها، وسبب ذلك يرجع الى وجود ألغام ومخلفات عسكرية أعاقت عملية الرصد والمتابعة، في حين نجد قبل الغزو عمليات رصد للنباتات من قبل الجهات المختصة لكن بشكل غير كافي، ولذلك استغرقت عملية الرصد والمتابعة للنباتات سنوات طويلة.
* وماذا عن النتائج الفعلية التي ترتبت على رصدكم الدقيق للغطاء النباتي الكويتي؟
بعد دراستنا للنبات في بيئة الكويت الصحراوية حددنا مناطق المحميات بالتعاون مع لجنة التنوع البيولوجي التابعة للهيئة العامة للبيئة والمخطط الهيكلي التابع لبلدية الكويت وافق على المواقع التي حددناها للمحميات، والآن نتابع تنفيذها مع لجنة المحميات المسؤولة عن إنشاء وحماية المحميات والتابعة أيضاً للهيئة العامة للبيئة. وأول محمية أنشأناها هي محمية الشيخ صباح الطبيعية، وهناك محميات أخرى وهي محمية شرق الجهراء ومحمية خليج الصليبخات، ومحمية الصليبية ومحمية أم النقا.
* وماهي النباتات التي رصدتم اختفاءها أو قلة أعدادها بشكل ملحوظ في الغطاء النباتي بالكويت؟
أكثر النباتات التي لاحظنا اختفاءها نبات العرفج، وهي النبتة الوطنية للكويت، وفي السابق كان هذا النبات يستعمل في البناء للمنازل بالطين، وفي التدفئة، والطهي لأن أخشابه ولحاءها غني بالألياف التي تساعد في عمل الوقود، كما ان نبتة العرفج تحتوي على زهرة كانت الزهرة الوطنية للكويت، ونبات العرفج كان منتشراً بكثرة في السابق في العديد من المناطق المكشوفة وللأسف لانراه الآن إلا في المحميات بالإضافة إلى أماكن قليلة متفرقة.
من النباتات التي تقع تحت الضغط أيضاً نبات العوسج الذي يتم اتلاف جذوره بسبب دهسها عشوائياً بمركبات البر والباجيهات، وجذور هذا النبات تحديداً تحتاج الأمطار لكي تنمو، وللأسف لاحظنا تراجعاً في أعداد نبات العوسج وخاصة في المناطق الساحلية الجنوبية. كذلك هناك نبات الرمث من النباتات التي تراجعت أعدادها بشكل ملحوظ في الكويت، وقد كان منتشراً في السابق في الشمال أما الآن فنموه ضعيف.
* وما هي الاجراءات والخطوات اللازمة التي يمكن من خلالها اعادة تاهيل الغطاء النباتي المتدهور من جهة والحفاظ على ما تبقى من نباتاته من جهة أخرى؟
الغطاء النباتي يمكن أن يعود طبيعياً وقوياً كما كان في سابق عهده، وذلك لا يتم إلا بمساعدة البشر من جهة والجهات المعنية والمسئولة من جهة أخرى، فالحماية التي تتمثل بتسييج النباتات وحدها لا تكفي للمحافظة على الغطاء النباتي خاصة في الأراضي المتدهورة عسكرياً والتي يجب التعامل معها بشكل مختلف من خلال زراعة النباتات الصحراوية فيها. أيضاً من العوامل التي تساعد على المحافظة على الغطاء النباتي وتنميته تنظيم استخدام مناطق الرعي من قبل الجهات المعنية، لأن الرعي الجائر كما سبق أن ذكرنا هو السبب الرئيسي المدمر لنباتات الصحراء، خاصة إذا رعت الماشية في مواسم نمو النباتات الأمر الذي لايعطي الفرصة الكافية لبذور النباتات التي تنتقل عن طريق حركة المياه والرياح النمو بشكل طبيعي. وعملية التنظيم والمتابعة والمراقبة للغطاء النباتي لا يجب ان تتم في فترات أو مواسم معينة وإنما بشكل دائم مع مراعاة تطوير وتحديث القوانين الخاصة بذلك وفقاً لتطورات العصر، وهذه مسؤولية جهات عديدة مثل الهيئة العامة لشئون الزراعة والثروة السمكية والهيئة العامة للبيئة وبلدية الكويت، حيث يجب أن تتضافر جهود هذه الجهات وغيرها لحماية الغطاء النباتي من خلال تشكيل فرق مؤهلة ومدربة لهذا العمل، تحافظ على النباتات وتنشر الوعي بضرورة المحافظة عليها فهذه ليست من مسئوليات وزارة الداخلية التي تعد مسئولة فقط عن تنظيم الحياة في المجتمعات الحضرية بين البشر بينما حماية البيئة مسؤولية مختلفة وتحتاج الى فئات مختلفة أيضاً.
أيضاً يمكن تطوير الغطاء النباتي في الكويت من خلال تشجيع المزارعين، والجهات المعنية في القطاع الخاص على إنتاج البذور وتنمية وزراعة النباتات الصحراوية بالاضافة إلى توفير أعلاف بديلة لحيوانات الماشية من الأغنام والماعز والإبل لكي نحمي غطاءنا النباتي من التدهور.
المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 134