عانى الإنسان منذ القدم الكثير من الدمار والخراب نتيجة ما تلحقه به الزلازل عند حدوثها، وقد كثر ذلك مع تزايد أعداد السكان على المستوى العالمي بدرجة تفوق الوصف مما استلزم مزيداً من العمران لسكن الانسان في مناطق جديدة، وفي منطقة الخليج عامة، وبدولة الكويت خاصة فان الطفرة التي حدثت في معدلات التنمية نتيجة لاكتشاف النفط واستخراجه وما صاحبه من تطور هائل في البنية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، كان له في الجانب الآخر مردودات سلبية على البيئة وعلى الأرض، مما يجعل حدوث الزلازل أمر محتمل نتيجة استخراج النفط أو ضخ السوائل في باطن الأرض. وفي السياق ذاته، تقع دولة الكويت في الجزء الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة العربية التي تعتبر إحدى الصفائح التكتونية ( الصفيحة العربية) والتي تتميز بحدود تكتونية نشطة هي :
* من الشمال إلى الشمال الشرقي حيث التصادم القاري ( حركة تقاربية) بين الصفيحة العربية والصفيحتين الإيرانية والتركية ( الصفيحة الآسيوأوروبية ) وذلك بطول جبال زاجروس وطوروس. * من الشرق يحد الصفيحة العربية نطاق اندساسها ( حركة تقاربية) تحت إقليم الماكران التكتوني (الصفيحة الايرانية). * من الجنوب الشرقي يحدها نطاق فوالق أوين النشطة ( حركة تحويلية أو انزلاقية ) والذي يفصلها عن الصفيحة الهندية. * من الجنوب الى الجنوب الغربي يحدها نطاق الصدوع التحويلية يسارية التزيح للبحر الميت. * من الغرب يحدها نطاق البحر الأحمر الذي يتميز بحركة تباعدية في معظمها.
وهذا الوضع التكتوني للصفيحة العربية جعلها تتحرك في اتجاه الصفيحتين ( الايرانية والتركية والصفيحة الآسيوأوروبية ) مع دوران الصفيحة في اتجاه عكس عقارب الساعة. ونتيجة لحركة الصفيحة العربية يحدث نشاط سيزمي ( زلزالي) على حدود الجزيرة العربية وداخلها.
التراكيب الجيولوجية والنشاط الزلزالي بدولة الكويت
جاءت التراكيب الجيولوجية لدولة الكويت كنتيجة مباشرة لوضعها التكتوني ضمن الصفيحة العربية وأهم ما يميزها هما القوسان التركيبيان ( الكويت والدبدبة) وفالق وادي الباطن وهضبة الأحمدي وتحدب بحره، مرتفع جال الزور ( المطلاع) اللياح، الشقايا وتلال المهيزل، كراع المرو وكثير من التراكيب الجيولوجية الاخرى. هذه التراكيب خلفت بيئة مناسبة لتكون وتجمع النفط في دولة الكويت، كما ساعد الوضع التكتوني لشبه الجزيرة العربية في جعلها من أهم المناطق النفطية في العالم. وقد أدى وجود دولة الكويت ضمن الصفيحة العربية بالقرب من منطقة التصادم القاري بين الصفيحة العربية والصفيحة الايرانية ( منطقة جبال زاجروس) والتي توصف بأنها نشطة زلزالياً، إلى جعلها عرضة للتأثر بهذا النشاط وحدوث زلازل داخل أراضيها، حيث استدل العلماء من الوضع التكتوني لدولة الكويت وما أظهرته المقاطع الجيولوجية من دلائل على وجود تحركات وتشوهات سيزموتكتونية مما يدل على وقوع زلازل عبر التاريخ. أيضاً فإن المظاهر السطحية لبعض المناطق في دولة الكويت مثل مرتفعات جال الزور وضلع الاحمدي ووادي الباطن قد تكون لها علاقة بحدوث صدوع قديمة يمكن أن تتجدد الحركة عليها مولدة زلازل. ومع هذا لم تذكر الوثائق التاريخية حدوث زلازل بالمنطقة في العصور القديمة وربما يرجع ذلك لندرة سكان المنطقة آنذاك. كذلك توجد بعض الأنشطة البشرية بدولة الكويت والتي يمكن أن تتسبب في حدوث نشاط زلزالي ( زلازل مستحثة) وخصوصاً إذا لم تمارس هذه الأنشطة على أسس علمية ودراسات مسبقة، ومن أهم هذه الأنشطة:
1- عمليات سحب النفط وحقن السوائل المستخدمة في عمليات انتاج النفط. 2- سحب المياه الجوفية. 3- أعمال المحاجر. 4- بناء الجسور الضخمة أو ردم مسطحات مائية أو إنشاء مسطحات مائية ضخمة.
عادة ما تكون هذه الزلازل المستحثة من النوع الصغير إلى المتوسط القوة وبالرغم من ذلك فإنها تمدنا ببيانات قيمة لدراسة تأثير النشاط البشري على البيئة المحيطة.
ونظراً للمخاطر الناتجة عن الزلازل في معظم بلدان العالم، فقد اهتمت الكثيرمن الدول بإنشاء محطات لرصد الزلازل وتكثيف الدراسات في هذا المجال لتقليل المخاطر الناجمة عن حدوثها والتي من أهمها الانهيارات الأرضية وانزلاق صخور المرتفعات على شكل كتل صخرية ضخمة، وانهيار المباني وتغير خواص التربة تحت السطحية ( سيولة التربة )، وفي هذه الظاهرة نجد أن التربة المبللة تسلك سلوك السائل نتيجة للزلزال مما يؤدي الى دمار بالمنطقة المحيطة، و دمار الموانيء وتصدع سطح الأرض وازاحته، وغرق بعض المنازل بالماء وهبوط سطح الأرض وانقطاع المياه لدمار أنابيب المياه وانقطاع خطوط التليفونات، واشتعال الحرائق نتيجة لدمار وصلات الوقود من أثر الزلازل ويمكن أن تؤدي إلى دمار أكثر من الزلزال نفسه. كما قد تتسبب الزلازل في تسرب مياه العيون والآبار أو ظهور عيون جديدة ( كذلك الحال بالنسبة للنفط) كما هو الحال في عين حلوان بمصر التي ظهرت عقب زلزال عام 1926. تسبب كذلك الزلازل حدوث الموجات البحرية ( أمواج التسونامي )، وكلمة تسونامي يابانية تعني ( موجة الخلجان) نتيجة لحدوث الزلازل خاصة القريبة من البحار والمحيطات أو تحت قيعان المحيطات فإنها تتسبب في حدوث أمواج عنيفة تسمى أمواج تسونامي وهي تندفع بسرعة هائلة قد تصل الى 800 كم / ساعة بارتفاع يصل إلى 20 مترا مسببة تدميراً رهيباً وأضراراً كبيرة بالمنشآت الساحلية.
|
وقد تقدمت بعض الدول في مجال رصد الزلازل والكشف المبكر عنها نظراً لتعرضها المتكرر لحدوث زلازل مدمرة. وتم إنشاء شبكات لرصد الزلازل في كل من إيران وتركيا، ولم تتخلف الدول العربية عن ركب الاهتمام بدراسة الزلازل ورصدها حيث أقامت مصر محطة لرصد الزلازل في بداية القرن العشرين في منطقة حلوان. ثم توالت إقامة المحطات والشبكات في الدول العربية لرصد الزلازل في المنطقة العربية وفي جميع دول العالم . ويوجد الآن شبكات لرصد الزلازل في كل من مصر و الأردن و سوريا و لبنان و الجزائر و تونس و قطر و المغرب و البحرين و اليمن وعمان والسعودية. وبعد إنشاء هذه الشبكات تم تسجيل عدد من الزلازل متوسطة القوة داخل الكويت، أما أهم الزلازل التي ضربت أرض الكويت فهو زلزال شرق بوبيان والذي حدث عام 1931 وبلغت قوته 4.8 درجة، وقد أثر في المناطق المحيطة، وبالرغم من أن مركز هذا الزلزال يبعد حوالي 150 كيلومتر عن مدينة الكويت الا أن الكثير من سكانها قد شعر به، بل أن بعض قاطني الطوابق العليا قد أصابهم الفزع.
ونظرا للوضع التكتوني لدولة الكويت و وجود الأنشطة البشرية ذات الأهمية الاقتصادية وبناءأً على الدراسات البحثية للنشاط الزلزالي المسجل داخل دولة الكويت فقد كلف معهد الكويت للأبحاث العلمية عام 1994 بعمل الدراسات اللازمة لإنشاء شبكة وطنية لرصد الزلازل على أرض الكويت وذلك بناء على توجيهات مجلس الوزراء، وقد بدأت مرحلة التشغيل النهائي للشبكة في مارس عام 1997، وتم تصميم أجهزة الشبكة بحيث تحقق الأهداف التالية:
1- تغطية كافة أرجاء الدولة بمحطات الرصد الزلزالي. 2- تسجيل النشاط الزلزالي ومتابعته على أرض الدولة والمناطق المجاورة. 3- إجراء الدراسات والبحوث المتعلقة بالنشاط الزلزالي في دولة الكويت وما يجاورها. 4- دعم الدراسات الجيولوجية والانشائية للمناطق الآهلة بالسكان، والمناطق ذات الاهمية الصناعية والاقتصادية والاستراتيجية في الدولة . 5- تصنيف مناطق الدولة من حيث النشاط الزلزالي المسجل فيها، ومدى تكرارية الزلازل، خاصة القوية منها وذلك لتحديد الأخطار المحتملة عند وقوع الزلازل فيها ( تقييم المخاطر الزلزالية). 6- التنسيق مع الجهات المختصة لتصميم الكود الزلزالي للمنشآت بدولة الكويت. 7- توفير معلومات عن الخواص الجيوفيزيقية للمناطق ذات النشاط الزلزالي، مثل النشاط الحراري والخواص الاهتزازية والديناميكية للطبقات الرسوبية الحديثة. 8- المشاركة الفعالة في دراسة النشاط الزلزالي في العالم، وخاصة على مستوى المنطقة العربية. 9- تدريب الكوادر الفنية والعلمية المتخصصة وإعدادها في مجال رصد الزلازل.
|