هدية جنوب أفريقيا إلى العالم
اعلان مانديلا حديقة "الكاب" منطقة محمية لتكون هدية جنوب أفريقيا إلى العالم
تعتبر شبه الجزيرة التي تنتهي برأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا من أغنى مناطق العالم بفصائل النباتات والحياة البرية الفريدة.
وفيما يلي جولة ممتعة عبر ماضي وحاضر تلك المنطقة التي قطنها الإنسان منذ أقدم العصور.
في يوم البيئة العالمي في يونيو (حزيران ) من عام 1998، أعلن نلسون مانديلا حين كان رئيساً لجنوب أفريقيا، جبل «تيبل» وما تبقى من المنطقة التي كانت تعرف حينئذ باسم حديقة شبه جزيرة الكاب الوطنية، منطقة محمية لتكون هدية جنوب أفريقيا إلى العالم.
وتضم هذه المحمية الطبيعية الكثير من الفصائل النادرة من النباتات والحيوانات والمشاهد الطبيعية الكثير من الفصائل النادرة من النباتات والحيوانات والمشاهد الطبيعية الساحرة كما تتمتع هذه المنطقة التي تتخذ شكل لسان بري يمتد إلى مسافة 60 كيلومتراً داخل البحر، بمناخ متوسطي معتدل خلال فصل الشتاء ودافئ وجاف صيفاً وتتخلل المنطقة جبال مهيبة وجروف صخرية شاهقة ومخيفة ووديان جميلة وخلجان بديعة، وتنتشر فيها تشكيلة مذهلة من النباتات ويناهز عدد فصائل النباتات التي تنتشر في جبل «تيبل» وحده 1500 فصيلة، أي ما يفوق كل الفصائل النباتية الموجودة في دولة بحجم المملكة المتحدة بأكملها.
آثار منذ 60000 عام
وقد استوطنت هذه المنطقة الغنية بمواردها الطبيعية منذ فجر التاريخ، حيث تم اكتشاف آثار أدوات استخدمها الصيادون وجامعو الثمار البرية، يعود عهدها إلى 600.000 عام مضت، في حفرة قريبة من رأس الرجاء الصالح كما تم اكتشاف أدوات حجرية منحوتة في أماكن متفرقة، استخدمها الإنسان في عصور تعود إلى منتصف العصر الحجري قبل 40000 عام، واكتشفت آثار مستوطنات بشرية يعود عهدها إلى أواخر العصر الحجري قبل 21000 عام في أكثر من 100 موقع.
وقد كان أفراد قبيلة «سان» من الصيادين وجامعي الثمار البرية يعيشون في المنطقة، ويعتمدون على السواحل للحصول على غذائهم، حيث تم اكتشاف بقايا قمامتهم مجمعة في شكل أكوام داخل كهوف المنطقة وقد انتزع أفراد قبيلة «خوي - كوي» تلك المنطقة منهم قبل 2000 عام مضت، فهاجرت تلك القبيلة التي تعتاش من رعي الأبقار والأغنام، وكانت أول سكان جنوب أفريقيا الذين احتكوا بالمستكشفين الأوروبيين الأوائل لدى نزولهم على سواحل البلاد.
وكان الرحالة البرتغالي بارتولوميو دياز قد دار حول رأس الرجاء الصالح في القرن الخامس عشر حين صادفته عاصفة عاتية، لكنه لم يدرك أنه دار للتو حول جنوب أفريقيا حين نزل ورجاله على الساحل الشرقي من شبه جزيرة الكاب في الثالث من فبراير (أيار) من عام 1488، هرباً من العاصفة.
وقد استدعى الأمر الانتظار عشر سنوات أخرى، قبل أن يكشف الحقيقة الرحالة البرتغالي الشهير فاسكو دي جاما، حين أبحر حول رأس الرجاء الصالح وواصل طريقه إلى الهند، ليكون بذلك أول أوروبي يربط أوروبا بالشرق بحراً وبات رأس الرجاء الصالح منذ ذلك الحين، النقطة التي تهتدي بها السفن وهي تبحر حول سواحل جنوب أفريقيا متجهة إلى الشرق، بينما شكل خليج «تيبل» القابع عند سفوح جبل «تيبل» المرسى الآمن الوحيد الذي يسمح للسفن بالرسو للحصول على الماء والأغذية الطازجة قبل مواصلة السفر شرقاً.
ويعود تاريخ أولى المستوطنات الأوروبية في شبه جزيرة الكاب إلى عام 1652، حين أسس البحار الهولندي «يان فان ريبيك» محطة لتموين سفن شركة الهند الشرقية الهولندية وقد تبع ذلك بناء حصن وبعض بساتين الخضراوات والفواكه عند سفوح جبل «تيبل» وتم لاحقاً توزيع الأراضي على الراغبين في زراعة الحبوب والعنب وسائر الغلال الزراعية.
جمال ساحر
وعلى الرغم من الجمال الطبيعي الساحر للمنطقة واعتدال مناخها، فهي تشهد عواصف مفاجئة تدفع السفن المبحرة قريباً من السواحل إلى مناطق تنتشر تحت سطح مياهها مباشرة صخور كبيرة ناتئة لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة، لدرجة أن المياه المحيطة بشبه الجزيرة باتت أشبه بمقبرة عملاقة لمئات السفن وآلاف البحارة، مما دفع البحارة في الماضي إلى إطلاق ألقاب عديدة عليها تشمل «رأس العواصف» و «أكبر قبر بحري في العالم»
وقم تم إحصاء حطام نحو 650 سفينة غرقت خلال الأعوام الأربعمائة الماضية على امتداد سواحل شبه جزيرة الكاب، ولا يزال حطام خمس منها على الأقل يطل برأسه من تحت الماء ومن أشهر تلك السفن السفينة البحرية البريطانية «سيبتر» التي غرقت عام 1799 وسفينة الركاب «لويزيانا» الشهيرة التي غرقت عام 1911، إضافة إلى السفينتين «ترانسفال» و «جود هوب» اللتين غرقتا في عام 1978.
وقد اكتسبت السفينة «فلاينج دَتشمان» أي «الهولندي الطائر» والتي غرقت في عاصفة عاتية أمام سواحل الكاب في عام 1641، شهرة عالمية حيث زعم الكثيرون أنهم شاهدوا شبحها يجوب بحار ومحيطات العالم تنفيذاً لقسم قبطانها هندريك فان دير ديكين الذي تعهد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بمواصلة الإبحار حتى يصل إلى نهاية العالم.
وقد دفعت كثرة حوادث الغرق السلطات في جنوب أفريقيا إلى بناء أول منارة حقيقية في عام 1860، غير أنه على الرغم من ارتفاع المنارة 238 متراً فوق سطح البحر، إلا أن الضباب كان يمنع السفن من مشاهدتها في الوقت المناسب قبل الاقتراب كثيراً من الساحل وقد أدى فشل المنارة الأولى في أداء دورها إلى بناء منارة ثانية ترتفع 87 متراً فقط فوق سطح البحر ولكن في موقع أفضل يسمح للسفن بمشاهدتها وقد تم إنجاز بناء تلك المنارة في 11 مارس (آذار) من عام 1919، وهي لا تزال حتى اليوم أقوى منارة بحرية على الساحل الجنوبي للقارة الأفريقية.
جهود بيئية قديمة
من ناحية أخرى، يعتقد على نطاق واسع أن شركة الهند الشرقية الهولندية قامت بأول جهد حقيقي للمحافظة على البيئة الطبيعية الغنية والهشة لشبه جزيرة الكاب فقد أصدرت الشركة في عام 1687 أمراً يفرض عقوبات صارمة على كل من يتم اعتقاله متلبساً بالإحراق العمد للنباتات التي تغطي جبل «تيبل» بهدف إفساح المجال أمام نمو الأعشاب اللازمة لرعي المواشي.
غير أنه باستثناء تلك المبادرة المحدودة، لم يتم اتخاذ إجراءات فعالة لحماية البيئة الطبيعية في رأس الرجاء الصالح وجبل «تيبل» سوى في عامي 1938 و 1964 على التوالي، بينما تم إنشاء محمية شبه جزيرة الكاب في عام 1983. وهكذا بات الجزء الأعظم من شبه جزيرة الكاب يقع اليوم في نطاق حديقة جبل «تيبل» الوطنية التي تأسست في عام 1998 وتضم 24500 هكتار من الأراضي التي تقع بين منطقة «سيجنال هيل» ورأس الرجاء الصالح، وأضيف إليها ما مساحته 1000 كيلومتر مربع من المياه الساحلية المحيطة بشبه الجزيرة، بهدف حماية البيئة والأحياء البحرية فيها.
وتتميز هذه المنطقة المحمية بالقانون، بالتنوع المدهش لنباتاتها حيث تضم نحو 2285 فصيلة نباتية، وتهيمن عليها أنواع شتى من الشجيرات الصغيرة والنباتات الشوكية المزهرة، وتتخللها مئات الأنواع من الزهور البرية الجميلة والتي يعتبر بعضها نادراً جداً وتنفرد به المنطقة عالمياً.
وعلى الرغم من اختفاء الحيونات البرية الكبيرة منذ فترة طويلة، حيث تم قتل آخر أسود المنطقة في عام 1802، إلا أن المنطقة تعج بالعشرات من فصائل الحيوانات والطيور وتشتمل تلك الحيوانات على الثدييات متوسطة وصغيرة الحجم مثل قردة البابون الشرسة، وأيائل «بونتيبوك» النادرة وأسود الجبال صغيرة الحجم وحمير الوحش والغزلان بأنواعها والقوارض والقنادس النهرية والفقمات البحرية والزواحف وعشرات الفصائل من الطيور وعلى رأسها طيور النعام، إضافة إلى أعداد لا تحصى من الحشرات.
لوحات تحذيرية
وتنتشر في المنطقة لوحات تحذر الزوار من إظهار أية أطعمة أمام قردة البابون أو إطعامها لأنها سرعان ما تنقض على حامل الطعام بسرعة سعياً إلى انتزاع كل ما يحمله من طعام.
كما تنصح تلك اللوحات التحذيرية الزوار بعدم إعطاء البابون الطعام حين يجلس فوق مقدمة السيارة التي يتنقلون بداخلها في المنطقة خشية تربصه بركابها ومطاردتهم إلى مسافات بعيدة للحصول على كل ما يملكونه من طعام، وتنصحهم بعدم إدارة الظهر لتلك القردة المتوحشة وعدم الهروب منها، لأن ذلك يزيدها جرأة وإصراراً على مهاجمة الهاربين.
ومن أكثر الحيوانات شعبية في أوساط زوار المنطقة، طيور البطريق الأفريقية النادرة والتي تعيش في منطقة «بولدرز» القريبة من مدينة «كيب تاون» وتمتلك المنطقة الآن أكثر من 3000 من تلك الطيور التي تكاثرت انطلاقاً من زوج منها تم جلبه إلى المنطقة في عام 1982 ويعزى سبب التكاثر الكبير لتلك الطيور إلى القيود التي فرضت على سفن الصيد التجاري الجائر في خليج «فولس» ما أدى إلى تزايد الثروة السمكية المتاحة لغذاء طيور البطريق.
مياه غنية بالأحياء
وتعج المياه الساحلية المحيطة بشبه الجزيرة بالأحياء البحرية على رأسها الفقمات والحيتان والدلافين وأسماك القرش والمئات من فصائل الأسماك المختلفة التي تعتبر جنوب أفريقيا الموطن الأصلي لنحو 88 في المئة منها.
وتقول لوحة تذكارية تم وضعها في جبل «تيبل» «في ذكرى كل الذين أثراهم هذا الجبل وشبه الجزيرة هذه، وإلى كل الذين استمدوا أسباب الحياة والغذاء والحماية والإلهام من هذه الدرة النفيسة من درر الطبيعة العالمية، تذكروا دائماً أنه طالما بقيت لنا جميعاً هذه المنطقة سليمة ومعافاة، فعلينا أن نرعاها ونحميها ذخراً للأجيال القادمة»، ولعل هذه العبارات البليغة تلخص السبب الذي دفع جنوب أفريقيا إلى حماية هذه المنطقة وحداً برئيسها السابق نيلسون مانديلا إلى اعتبارها هدية من شعبه وبلاده إلى العالم أجمع.
المصدر : مجلة بيئتنا - الهيئة العامة للبيئة - العدد 83